سينما جيمس غراي ..والتي تمنح جمهورها شعورا خاصا ،بشفافية الحكايات التي تعرفها ذاكرتنا وكأننا نسينا تفاصيلها.

ماذا لو لم تأتِ سينما جيمس غراي متأخرةً ثلاثين عامًا عمّا شيّدته سينما مارتن سكورسيزي وويليام فريدكين، أكان لينال ما يستحقّ من ذيوع صيتٍ وحفاوة نقدية؟ ولكون سينماه لم تخرج إلى الناس مبشّرةً بدربٍ تنفرد به، بدت على الدوام كطيفٍ عابرٍ في حكايةٍ نسيت تفاصيلها، غير أن حواسك ما برحت تتلمّظ طعومها، ومخيلتك توقن أن لتلك الحكاية ظلًا باقيًا في البال.

بسؤال معلّق حول أصالة سينما غراي، يطل النقد على فيلم “النمر الورقي” (Paper Tiger)، الفيلم الذي عاد به جيمس غراي إلى مسابقة كان 2026، وهو سادس أفلامه على الكروازيت، وسادس عودةٍ إلى الخيبة عينها: أن تُستقبل بالتصفيق ثم تنصرف بلا جوائز، كما لو أن المهرجان يأبى إلا أن يعامله كنسخة حائلة الألوان من زمن ولّى.

ها هو غراي، دون تردد، يؤكد تلك الرؤية، بعودة إلى التسعينيات، إذ تجري حكاية الفيلم في كوينز عام 1986، حيث يقع شقيقان، مهندس دؤوب وشرطي سابق، على ما يظنانه فرصة العمر. غير أن الصفقة التي وعدت الأخوين بقلب حياتهما تنقلب فخًا محكم الإطباق، إذ يتبيّن لهما أنهما تورّطا، من حيث لا يحتسبان، مع المافيا الروسية. هنا يستعيد غراي ثنائيته الأثيرة التي حكمت “نملك الليل” من قبل: الأخ المستقيم والأخ المغامر. يستعيد دور العائلة أيضًا، كونها الثروة الوحيدة التي لا يتبيّنها الأميركي إلا بعد أن يبدّدها لاهثًا وراء ثروةٍ “من ورق”، كما هو بالضبط الحلم الأميركي.

العائلة وعائلات كثيرة أخرى

في “النمر الورقي”، يقدّم آدم درايفر واحدًا من أنضج أدواره: جسدٌ فارعٌ تقيم فيه هشاشةُ من يدرك أنه ضلّ الطريق وعجز عن الرجوع، فيما يجسّد مايلز تيلر، ببراعةٍ موجعة، الرجلَ العادي الذي ظن أن بإمكانه أن يلعب لعبة الكبار. أما سكارليت جوهانسون، زوجة إيروين، فتحمل خطًا دراميًا موازيًا، بهيئتها المحببة، ببراءتها وشعورها المرتبك أمام الحقائق؛ ظل الأداء يترنح بشخصيةٍ تحمل ورماً في الدماغ تخفيه عن زوجها، دور أتاح لها مساحة أداءٍ حقيقية، لم يخفه الشعر المستعار ولا لكنة كوينز، وإن ظلّ هذا الخط، حتى لأقل النقاد كسلًا، غير لازم كما ينبغي للبناء العام للفيلم.

في “النمر الورقي”، يقدّم آدم درايفر واحدًا من أنضج أدواره: جسدٌ فارعٌ تقيم فيه هشاشةُ من يدرك أنه ضلّ الطريق وعجز عن الرجوع، فيما يجسّد مايلز تيلر، ببراعةٍ موجعة، الرجلَ العادي الذي ظن أن بإمكانه أن يلعب لعبة الكبار
أسلوبيًا، يصوغ غراي فيلمه على طريقته المعهودة التي تزداد مع السنين صفاءً: صُوِّر الفيلم على شريط خام 35 ملم، بعدسة مدير تصويره القديم خواكين باكا-آساي، فجاءت الصورة بملمسٍ معتّق، تتحسس قماشة الحقبة بدراية وخبرة، عبر مادة الفيلم الحكائية، لا البصرية، بملابسها أو بديكورها وحسب، كون غراي يدير الحس التشويقي بالإيحاء لا بإفراطه في تحريك كادراته، مفضلًا أن يراكم التوتر على مشاهد الأكشن المستهلكة بالحس والصنعة، حتى إذا انفجر العنف، نادرًا، جاء خاطفًا، وكان وقعه كالقدر، مثل تراجيديا إغريقية الهوى، يعلنها منذ الاقتباس الافتتاحي للفيلم. ويصل ذروة وعيه بجنس فيلمه في مشهد الرصاص بين حقول القمح، حيث لا تتبيّن العين أتتمايل السنابل بفعل الريح أم بخطى قاتلٍ يدنو من ضحيته. وهنا يلقننا غراي درساً في “الميزانسين” (Mise-en-scène) يتيح له، ولو لعدة لحظات على الأقل، أن يحتل مكانه هناك، على المقعد الذي يستحقه كوريث من سلالة سكورسيزي.

السينما الأميركية على “الكروازيت”

لا يمكن لقصة “النمر الورقي” في كان هذا العام أن تستوي خارج سياق الدورة نفسها، وقد ساد نوع من إجماع المتابعين على “الكروازيت” على أنها دورة وادعة، لم تخرمش سطوحًا فنيةً عدة، إذ أتت شحيحة العناوين الأميركية، خافتة الوهج النجومي. في هذا الفراغ بالذات اكتسب فيلم غراي وزنًا مضاعفًا: كونه الممثل الأميركي الوحيد، أو يكاد، لسينما المؤلف في مسابقةٍ احتشد فيها الأوروبيون والآسيويون. والأدهى أن بلوغه المسابقة جاء مشوبًا بالالتباس هو الآخر؛ فقد شاعت في الأشهر السابقة روايةٌ مفادها أن الفيلم لم يكتمل، وذهب بعض المتابعين إلى أنها كانت مناورةً تفاوضية أكثر منها حقيقة إنتاجية، إذ عند هذا المفترق تدخلت شركة “نيون”(NEON)، اللاعب الذي بات يدير من وراء الستار ما يشبه بورصة المجد المهرجاني. دخلت الشركة الدورة التاسعة والسبعين وقد أبرمت صفقاتها المسبقة على ستة أفلام في المسابقة دفعة واحدة، بينها “النمر الورقي”.

لم يُقتبَس الفيلم عن رواية، وهو سيناريو كتبه غراي بنفسه، حيث كان مصدره الحقيقي أعمق من أي رواية: ذاكرته هو. فالمشروع، كما صرّح المخرج، أتى امتداداً لفيلمه السابق “توقيت أرمجدون” (Armageddon Time) الصادر عام 2022، قبل أن تنعطف القصة إلى مسار خاص بها، دون أن يربطها بسابقتها سوى حيّ كوينز وحقبة الثمانينيات.

أما خلف الكاميرا، فتكشف بنية الإنتاج وحدها حال سينما المؤلف الأميركية اليوم: ميزانية متواضعة لا تتجاوز 15 مليون دولار، جُمعت من ثلاث قارات — شركة (RT Features) البرازيلية، و(Leone Film Group)الإيطالية، وريثة اسم سيرجيو ليوني في مفارقة تليق بمخرج طالما قورن بجيل السبعينيات، وقائمة منتجين تنفيذيين بلغت خمسة وعشرين اسمًا. معادلة تقول إن مخرجًا بقامة غراي بات مضطرًا إلى ترقيع تمويله رقعةً رقعة، فيما تنتظر شركة مثل “نيون” عند خط النهاية لتقتنص الفيلم، جاهزًا، مغسولًا من عرق سنواته. وكأن غراي أراد أن يضع كل ذلك، الطمع، والعائلة، والثمن، تحت لافتة واحدة، فافتتح فيلمه بسطر إسخيلوس في “أغاممنون”: لتكن ثروةٌ بلا دموع؛ تكفي الحكيمَ الذي لا يطلب المزيد.

#عبير داغر اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم