سم الافاعي السورية حقيقة ام مبالغات .

الأفاعي السورية بين حقيقة السم القاتل ووهم الغدر.. ما لم يخبرك به أجدادك!”في قرية وادعة تغفو عند سفوح جبال القلمون السوري، حيث تعانق أشجار الزيتون المعمرة غيوم السماء، كان يعيش فلاح طاعن في السن يُدعى أبو حدو. عُرف الشيخ بين أهالي قريته بحكمته الشديدة، وبعلاقته الفريدة مع الأرض التي يخفي وعاؤها الجغرافي المتنوع—من شواطئ الساحل إلى البادية—أسراراً لا يعرفها الكثيرون.وفي أحد أيام الخريف، بينما كان أبو حدو يقطف ثمار الزيتون، سمع جلبة وصراخاً يقترب من كرمه. التفت ليرى ابنه الشاب مجد ومعه ثلة من شباب القرية، يركضون حاملين العصي والحجارة، وهم يطاردون كائناً أسود ضخماً ينساب بسرعة فائقة بين الصخور.صرخ مجد حامساً: “يا أبتِ! ابتعد! إنه الحنش الأسود، سأقضي عليه!”.وقف الشيخ العجوز حائلاً بين الشباب والثعبان، ورفع عصاه آمراً إياهم بالتوقف. استغل الحنش الفرصة واختفى بسلام تحت ركام صخرة قديمة. تنفس أبو حدو الصعداء وقال بابتسامة: “لقد كنتم على وشك قتل حارس كرمنا الأوفى! هذا العربيد ثعبان غير سام وضخم، يلتهم القوارض والجرذان، بل ويهاجم الأفاعي السامة ويطردها من الحقول”.جلس الشباب حول الشيخ مستغربين، فتابع الشيخ حديثه ليعلمهم خارطة الحراشف السورية: “يا أبنائي، إن بيئتنا السورية تحتوي على عشرات الأنواع الموثقة من الأفاعي. الغالبية العظمى منها—مثل هذا العربيد—كائنات غير سامة وصديقة للفلاح، بينما تقتصر الأنواع شديدة الخطورة ذات الأهمية الطبية على أنواع قليلة ومحدودة فقط”.سأل مجد: “وما هي هذه الأنواع الخطيرة يا أبي كي نحذرها؟”.أيجاب الأب: “هناك الأفعى البيضاء السورية، وتسمى أيضاً المشرقية، وهي الملكة غير المتوجة في بيئتنا المحلية. تُصنف كأكثر الأفاعي السامة انتشاراً في الجبال والسهول الساحلية والداخلية، وتتميز بلونها الفاتح المائل للرمادي أو البيج وبخطورتها الطبية العالية. وهناك أيضاً أفعى فلسطين، والمعروفة بالقرفصاء، وهي سامة وشرسة تتواجد في المناطق منخفضة الانحدار وسهول الساحل وغرب حمص وحماة، وتمتاز بنقوشها المتعرجة الداكنة الشبيهة بحرف في المتكرر. أما إذا ذهبت نحو البادية والمناطق الوعرة، فستجد أفعى فيلد، أو القرناء الكاذبة، التي تمتلك نتوءات حرشفية بارزة فوق عينيها تشبه القرون الصغيرة لحمايتها من الرمال”.صمت الشيخ قليلاً، ثم التفت إلى منزله الريفي القديم وأكمل: “لكن انظروا إلى الجانب الآمن؛ ألم تسمعوا بثعبان عقد الجوز؟ إنه الثعبان الأكثر شهرة في بيوت دمشق وحلب القديمة. سُمي بالدوري لملازمته منازل البشر كالعصفور الدوري، وهو غير سام تماماً ويتغذى على الحشرات والفئران داخل الشقوق الجدارية”.ابتسم أحد الشباب قائلاً: “أهذا هو سبب الحكايات التي نسمعها من أجدادنا؟”.أيد الشيخ قوله محركاً رأسه: “بالتأكيد! لقد ساد الاعتقاد في العمارة السورية القديمة والبيوت العربية أن هناك ثعباناً يسمى رصد البيت يحمي أهله من الشرور وبمثابة الحارس الروحي، وكان يُحرم قتله تجنباً لخراب المنزل. ومن هنا جاء مثلنا القديم: جنب الحية افرش ونام، وحد العقرب لا تقرب. فالأفعى كائن غير هجومي ويهرب فور شعوره بالبشر ولا يلدغ إلا دفاعاً عن النفس، بخلاف العقرب الفضولي. بل إن الفلاحين قديمًا كانوا يتركون أوعية الحليب واللبن في حقولهم ليلاً لاعتقادهم أن الثعابين تأتي لتشرب منها كتحية شكر لدورها في تنظيف المحاصيل”.سأل مجد مفكراً: “وماذا نستفيد منها اقتصادياً وطبياً؟”.أجاب أبو حدو بيقين: “خلف هذا المظهر المخيف تختبئ ثروة لا تُقدّر بثمن؛ أولاً، حماية القطاع الزراعي، فالأفاعي هي خط الدفاع البيولوجي الأول للمحاصيل السورية. غيابها يعني انفجاراً في أعداد القوارض التي تلتهم أطنان القمح، الخضار، وأشجار الزيتون. إنها توفر على الدولة ملايين الليرات المستهلكة في المبيدات الكيميائية الضارة. ثانياً، الصناعات الدوائية، إن سموم هذه الأفاعي هي الذهب السائل في المختبرات الطبية العالمية. تُستخلص منها مركبات حيوية لإنتاج أدوية ضغط الدم، ومميعات الدم للوقاية من الجلطات والنوبات القلبية، وصناعة الأمصال المضادة للسموم نفسها”.أنهى الشيخ كلامه قائلاً: “الأفاعي السورية يا أبنائي ليست مجرد زواحف تثير الذعر، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتنا البيئية والثقافية. حمايتها وعدم قتلها عشوائياً يضمن استمرار دورة الطبيعة بكفاءة وأمان”.منذ ذلك اليوم، ألقى شباب القرية عصيهم، وعاد أبو حدو لقطاف زيتونه وهو يعلم أن العربيد الأسود يسهر في مكان ما تحت الصخور، يحرس الأرض بوفاء. المصدر :كتاب “أفاعي الجمهورية العربية السورية” (Snakes of the Syrian Arab Republic)يعتبر هذا الكتاب العلمي الصادر حديثاً في ألمانيا هو أول مرجع ودليل حقلي شامل يوثق أنواع الأفاعي في سورية بدقة.فادي الناقولا#سوريات_ #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم