سقراط اعظم من ان يكون مجرد اسطورة فلسفية

هل كان سقراط مجرد أسطورة أدبية ابتدعها أفلاطون؟

يرتبط اسم سقراط في الذاكرة الثقافية بصورة المفكر الحر، والحكيم المتواضع الذي يجوب شوارع أثينا ليوقظ عقول الشباب، والشهيد الذي تجرع السم رافضا التنازل عن مبادئه. وتشكل هذه الصورة الأيقونية أساسا لتاريخ الفلسفة الغربية، إذ تقدم سقراط نموذجا للحكمة الباحثة عن الحقيقة. وتفترض هذه السردية الشائعة تطابقا بين الشخصية التاريخية التي عاشت في القرن الخامس قبل الميلاد والصوت الفلسفي الذي ينطق بالحكمة في النصوص القديمة.

غير أن هذه الصورة تواجه واقعة تاريخية معروفة: لم يترك سقراط خلفه سطرا مكتوبا واحدا. وتقوم المعرفة المتاحة عن هذه الشخصية حصرا على نصوص كتبها آخرون، هم تلاميذه ومعاصروه مثل أفلاطون وكزينوفون وأريستوفان. وتتباين هذه المصادر في رسم ملامح الرجل؛ فبينما يقدمه أريستوفان في مسرحية “السحب” بصورة ساخرة، يدون أفلاطون وكزينوفون حوارات تضفي عليه طابعا تبجيليا. ويطرح هذا التباين إشكالا منهجيا يدفع إلى التساؤل عن المساحة التي يشغلها سقراط التاريخي قياسا إلى سقراط المتخيل أدبيا وفلسفيا.

تتضح الإشكالية أكثر عند فحص موقع سقراط داخل المدونة الأفلاطونية. يقترح جيل دولوز مقاربة تعد سقراط “شخصية مفهومية” (Conceptual Persona). ويعبر هذا المصطلح عن أداة فلسفية يخلقها المفكر لتأدية وظيفة محددة داخل نسقه النظري. ويتحول سقراط في حوارات أفلاطون من كيان تاريخي صلب إلى قناع أدبي مرن يمرر به التلميذ تطوراته الفكرية الخاصة. وتظهر ملامح هذا الاستخدام الوظيفي عند تتبع مسار الحوارات الأفلاطونية؛ ففي الحوارات المبكرة يظهر “سقراط الشاب” ممارسا منهج التهكم والتوليد، باحثا عن حقائق يقر بجهله بها، بينما يصبح في الحوارات اللاحقة، كحوار “الجمهورية”، “سقراط الناضج” المنظِّر الذي يدافع عن نظرية المُثُل وخلود النفس، وهي أطروحات ميتافيزيقية معقدة تُنسب تاريخيا إلى أفلاطون نفسه.

تقدم محاكمة سقراط زاوية أخرى لهذا التداخل بين الواقع والأسطورة. تشير التحليلات التاريخية إلى أن تهمتي إفساد الشباب وإدخال آلهة جديدة كانتا تخفيان دوافع سياسية ترتبط بعلاقاته الوثيقة بشخصيات معادية للديمقراطية الأثينية، مثل كريتياس وألكيبيادس من تلاميذه ومقربيه، اللذين ارتبط اسماهما بفترة “طغيان الثلاثين”. وتتعارض هذه القراءة التاريخية والسياسية مع السردية المثالية التي رسخها أفلاطون في “دفاع سقراط”، حين صور المحاكمة صراعا بين الفكر الحر وجهل المجتمع.

وينتهي تتبع هذا المسار إلى صعوبة الفصل بين سقراط الإنسان الذي سار في أسواق أثينا وسقراط الرمز الذي صُنع داخل أكاديمية أفلاطون، وربما إلى استحالته. فالبحث عن “سقراط الحقيقي” يصبح محاولة لفك طلاسم نصوص ذات طبيعة أدبية معلنة. ويبقى السؤال مفتوحا عن ماهية الفلسفة حين تتأسس على شخصية تتوزع بين وقائع التاريخ والتخييل الفلسفي.

#سقراط #أفلاطون #الفلسفة_اليونانية#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم