سبينوزا في كتابه الأشهر “الأخلاق

خلّيك فاكر وانت بتقرا إن سبينوزا مش فيلسوف بيتقري وانت رايق وبس… سبينوزا بيتقري وانت مستعد إن أفكارك القديمة تتفك واحدة واحدة، كأن حد داخل أوضة دماغك وبيقولك بهدوء “كل اللي إنت فاكره محتاج إعادة نظر”.

الراجل ده ماكانش ثوري بالصوت العالي ولا بالشتيمة، كان ثوري بالعقل البارد، وده أخطر نوع من الثورة. اتولد يهودي في أمستردام في القرن السابع عشر، وسط طائفة متدينة جدًا، وفي وقت أوروبا لسه خارجة من حروب دينية بتقطع في بعض، والناس شايفة إن أي سؤال زيادة عن اللزوم ممكن يوديك المقصلة أو الحرق، وسبينوزا قرر يسأل… بس مش سؤالين تلاتة، لا، قرر يشك في الأساس نفسه. النتيجة؟ اتطرد من الطائفة اليهودية حرمان كامل، لا سلام، لا كلام، لا حتى جنازة، كأنه مات وهو عايش، وده مهم لأن العزلة دي شكّلت فلسفته: راجل قرر يعيش برا القطيع، برا أي سلطة دينية أو اجتماعية، ويعتمد على حاجة واحدة بس العقل.

سبينوزا في كتابه الأشهر “الأخلاق” كتب الفلسفة كأنها هندسة، تعريفات، بديهيات، قضايا، براهين، مش عشان يتفلسف، لكن عشان يقولك العالم مش فوضى، العالم له نظام، بس النظام ده مش أخلاقي ولا عاطفي، النظام ده سببي. هنا أول صدمة سبينوزا قال إن مفيش إله قاعد فوق السحاب بيكافئ ويعاقب، ولا ربنا شخص عنده غضب ورضا، سبينوزا قال ببساطة
الله = الطبيعة. يعني إيه؟ يعني كل اللي موجود، القوانين، المادة، العقل، الحركة، الكون كله، ده هو الله. مش إله منفصل عن العالم، لكن إله هو العالم نفسه. وده اسمه في الفلسفة “وحدة الوجود”، بس مش بالمعنى الصوفي الرومانسي، لا، وحدة وجود عقلانية بارد كل حاجة بتحصل بتحصل لأنها لازم تحصل، مفيش صدفة، مفيش مزاج، مفيش “ربنا حب يعمل كده”، في سبب ونتيجة وبس. الكلام ده لوحده كان كفيل يخلي سبينوزا يتصنف كملحد في نظر ناس كتير، رغم إنه كان مؤمن، بس بإله من غير شخصية، من غير أوامر، من غير شرائع.

نيجي بقى للحرية، وهنا سبينوزا بيفجر قنـ.ـبلة تانية إنت مش حر زي ما إنت فاكر. البشر في رأيه فاكرين نفسهم أحرار بس لأنهم واعيين بأفعالهم، مش بأسبابها. يعني إنت بتغضب، بتحب، بتكره، وبتقول “ده اختياري”، بس الحقيقة إن ورا كل شعور سبب، ورا كل سبب سبب تاني، سلسلة طويلة إنت مش شايفها. الحرية الحقيقية عند سبينوزا مش إنك تعمل اللي إنت عايزه، الحرية إنك تفهم ليه إنت عايزه. كل ما فهمك للأسباب زاد، كل ما سيطرتك على نفسك زادت. وده يربطه مباشرة بعلم النفس الحديث، خصوصًا العلاج المعرفي، اللي بيقولك إن فهم الأفكار والمشاعر بيقلل سيطرتها عليك. سبينوزا كان سابق فرويد ويونج بمئات السنين، لما قال إن الإنسان عبد لانفعالاته طول ما هو مش فاهمها.

الانفعالات أو “الأهواء” عند سبينوزا مش شر في ذاتها، الغضب مش خطيئة، الحزن مش ضعف، دي حالات طبيعية بتحصل لما رغبتك في الاستمرار في الوجود اللي سماها “الكوناتوس” تتعطل أو تتدعم. الخير والشر مش مطلقين، مفيش حاجة اسمها شر في الكون، في حاجة نافعة ليك وحاجة ضارة ليك، وده نسبي، وده معناه إن الأخلاق مش أوامر سماوية، الأخلاق علم، علم إزاي تعيش كويس، إزاي تزود قدرتك على الفعل، إزاي تبقى أقل انفعالًا وأكثر فهمًا. عشان كده سبينوزا شايف إن الفرح الحقيقي مش في اللذة، لكن في الفهم، في إنك تحس إنك جزء من نظام كوني أكبر، وإن اللي بيحصلك مش مؤامرة عليك، ولا اختبار، ده نتيجة طبيعية لسلسلة أسباب.

سبينوزا كان سابق عصره برضه، دافع عن حرية الفكر والتعبير بشكل واضح جدًا، وقال إن أخطر حاجة على أي مجتمع مش الاختلاف، لكن قمع الاختلاف. الدولة عنده دورها تحمي حرية الناس مش تفرض عليهم معتقدات. وده خلاه مصدر إلهام لفلاسفة التنوير بعده زي هيوم وكانط، وحتى أينشتاين نفسه قال إنه بيؤمن بإله سبينوزا، الإله اللي بيظهر في انسجام الكون، مش في أوامر الكتب. التأثير ده مش فلسفي بس، ده كمان نفسي وأخلاقي: فكرة إنك لما تفهم، بتسامح، ولما تعرف الأسباب، الغضب بيهدى، لأنك بطلت تشوف نفسك مركز الكون.

في النهاية سبينوزا مش فيلسوف مريح، لأنه بيشيل منك أعذار كتير، ماينفعش تقول “أنا كده”، ولا “الظروف”، ولا “القدر ظلمني”، سبينوزا هيقولك افهم، ولما تفهم، هتبطل تعيط على اللي مش في إيدك، وتركز في الحاجة الوحيدة اللي في إيدك فعلًا عقلك. يمكن عشان كده عاش فقير، منعزل، بيصقل عدسات عشان يعيش، ورفض أي منصب أو شهرة، لأنه كان مقتنع إن السلام الداخلي مش في السلطة ولا الاعتراف، السلام في الفهم. وكأن فلسفته كلها بتتلخص في جملة واحدة …

العالم مش ضدك، العالم ما يعرفكش أصلاً… إنت بس محتاج تفهمه عشان تعيش فيه من غير ما تتكسر.

  • Diaa Al Agamy ✅

سبينوزا #فلسفة #علمالنفس #وحدةالوجود #حريةالفكر #التنوير #الفلسفةببساطة #وعي #العقل #diaaalagamy #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم