مسرحية زواج فيجارو لبومارشيه بين قيمتها الفنية وأثرها السياسي
لا شك أن مسرحية زواج فيجارو لبومارشيه من أشهر المسرحيات العالمية، كما أن موزارت الموسيقي الكبير قد ألف أوبرا شهيرة مستوحاة منها، ولكننا حين ننظر للقيمة الفنية لهذه المسرحية فإننا نرى بها بعض الضعف في البناء الفني، فهي من حيث القيمة الفنية تعد متوسطة المستوى؛ وذلك لوجود بعض الاضطراب في بنائها. ومن ملامح ذلك الاضطراب في بنائها كثرة الأحداث وتشعبها فيها؛ مما أدى لطولها بشكل مبالغ فيه، وكان بومارشيه قد حذف منها بعض المشاهد، ورغم ذلك فهي ما زالت طويلة.
ونرى في هذه المسرحية خطا دراميا أساسيا، وخطوطا فرعية، بعضها يتلاقى بهذا الخط الدرامي الأساسي فيها، وبعضها يبدو غريبا عنه، والخط الدرامي الرئيس في هذه المسرحية عن فيجارو خادم الكونت ألمافيفا الذي يحب سوزانا خادمة الكونتيسة روزين زوجة الكونت ألمافيفا، ويرحب الكونت بهذا الزواج؛ لأنه يرغب في أخذ حق النبلاء القديم بأن تكون له الليلة الأولى مع سوزانا، وتصير عشيقته في الوقت نفسه.
ويقوم فيجارو بحيلة طريفة؛ ليصرف الكونت عن سوزانا، فيرسل له خطابا من شخص مجهول يشككه في زوجته، وبالفعل تثار الشكوك في نفس الكونت نحو زوجته، وبخاصة أنه كان يخونها كثيرا، فتوقع منها خيانتها له.
وفي ليلة زفاف فيجارو على سوزانا يخبر الكونت سوزانا أنه سيأتيها في حديقة القصر، وتتنكر الكونتيسة روزين في هيئة سوزانا، ويحدثها الكونت في حديقة القصر على أنها سوزانا، وبعد أن تكشف له الكونتيسة روزين عن حقيقتها أمام عدد كبير من المدعوين في هذه المناسبة يخجل الكونت من نفسه، ويتعهد للكونتيسة بحسن سلوكه بعد ذلك، وفي نفس الوقت كان الكونت قد تأكد من عفة زوجته، أما فيجارو وسوزانا فقد جعلتهما هذه الحيلة ونتائجها بمنأى عن طمع الكونت ألمافيفا في سوزانا.
هذا هو الخط الرئيس في هذه المسرحية، ولكن بها خطوطا أخرى فرعية – كما ذكرت ذلك من قبل – ومن ذلك أننا نرى العانس مارسيلين تتمسك بالزواج من فيجارو، وتقوم بالحيل لإفساد زواجه من سوزانا، وتستغل عقدا كتبه لها فيجارو بسداد مبلغ اقترضه منها، وعجز عن سداده – بأن تقاضيه عند الكونت ألمافيفا، ويعقد الكونت محاكمة هزلية تدل على فساده وفساد طبقته النبيلة وتلاعبهم بالقانون، ويأمر الكونت فيجارو بسداد هذا المبلغ اليوم أو الزواج من مارسيلين، وقبيل أن يخضع فيجارو لتنفيذ هذا الحكم تحدث مصادفة عجيبة، فترى مارسيلين علامة في يد فيجارو تجعلها تتأكد من أنه ابنها غير الشرعي من الدكتور بارتولو، وبخاصة أن فيجارو قد ذكر لها المكان وجد ملقى فيه كما أخبره بهذا من وجده فيه ورباه، وكان هو نفسه المكان الذي تركت فيه مارسيلين طفلها فيجارو بعد إنجابها إياه، وبعد هذا الموقف تتغير تصرفات مارسيلين مع فيجارو، فتصبح عطوفة عليه، وتقف معه، وتساعده من أجل إتمام زواجه من سوزانا، كما أن الطبيب بارتولو يوافق على زواجه من مارسيلين رغم نفرته منها من أجل إتمام زواج فيجارو من سوزانا. وهكذا رأينا بعض الأحداث التي تعتمد على المصادفات في هذه المسرحية مما يدل على قدر من ضعف البناء بها.
وكذلك من الأحداث الفرعية في هذه المسرحية إعجاب الخادم شيروبان الشديد بالكونتيسة روزين، وهو حين يراها يشعر بقدر من الذهول، ويبدو كأنه غائب عن الوعي، وقد يخرج أحيانا بعض الشعر من فمه معبرا عن هيامه بها في هذه المواقف، وكان تصرفه هذا يثير الضحك، وكانت الكونتيسة تستظرف ذلك منه، ولا تعنفه على ذلك.
وهناك مواقف أخرى في هذه المسرحية تبدو علاقتها بالحدث الأساسي بها ليست قوية بشكل كبير؛ مما يدل على بعض تفكك فيها.
وبهذا نرى أن القيمة الفنية لهذه المسرحية ليست كبيرة، وأن هناك عوامل أخرى في شهرتها – إلى جانب ما ذكرته سابقا عن تأليف موزارت أوبرا عالمية مستوحاة منها – وأهم هذه العوامل في شهرة هذه المسرحية هو أنها عبرت عن الفساد المستشري في طبقة النبلاء الذين يتحكمون في المجتمع، ورغم أن أحداث هذه المسرحية تحدث في أسبانيا لكن لا يخفى على أي متلق لها أن بومارشيه قصد بها مجتمعه في فرنسا في ذلك الوقت قبيل الثورة الفرنسية بسنوات قليلة.
وكذلك كان واضحا في هذه المسرحية ما عبرت عنه من وجود فوارق طبقية كبيرة؛ ولهذا لم يكن غريبا أن يرفض الملك لويس السادس عشر عرض هذه المسرحية، ولكن مع إلحاح جماهير الشعب بحرية الرأي اضطر الملك لويس السادس عشر أن يأمر بعرضها بعد أربع سنوات من منعه عرضها.
وكانت هذه المسرحية من ضمن أسباب استثارة الشعب الفرنسي للثورة الفرنسية؛ بما ذكرته فيها من إشاراتها الواضحة لوجود فساد في مجتمع النبلاء والحكام، وللفوارق الطبقية الكبيرة التي عبرت عنها بين طبقات المجتمع، وبالفعل حدثت الثورة الفرنسية بعد عرض هذه المسرحية على الجمهور الفرنسي بعد سنوات قليلة.
وبهذا ننتهي إلى أن الشهرة الكبيرة لمسرحية زواج فيجارو لبومارشيه لا تعود بالدرجة الأولى لقيمتها الفنية – فقيمتها الفنية متوسطة – ولكنها تعود لكونها كانت من أسباب التعجيل بالثورة الفرنسية، وزاد في شهرتها أن موزارت قد ألف أوبرا عالمية مستوحاة منها.
#علي خليفة
المسرح العالمي
#مجلة ايليت فوتو ارت.

