… تحت روما الحديثة، حيث تئنّ عجلات السيارات على الأسفلت، تنام طبقات من الزمن. واليوم، سنزيح هذا الرداء الحديث لنقف في قلب الإمبراطورية، على أرض شارع لم يكن مجرد ممر، بل كان مسرحاً للدنيا بأسرها. اسمحوا لي أن أصحبكم في رحلة إلى “طريق الآلهة وصخب البشر”.
… حيثُ تَنفُضُ الآلهةُ غُبارَ المَجدِ على عابِري السَّبيل: رِحلَةٌ في شَريانِ رُوما المَقدِس
قبل أن تدوس قدمك أول حجر في هذا الطريق، عليك أن تخلع كل ما تعرفه عن معنى “المدينة العظيمة”. في ذروة مجدها، لم تكن روما تضاهي نيويورك أو باريس أو لندن أو دبي. بل كانت هي المزيج الأسطوري الذي يجمعها جميعاً في بوتقة واحدة، ككتلة هائلة من الرخام والطموح والضجيج. إذا أردت أن تفهم نبض هذه الإمبراطورية، فعليك أن تقف في شارعها الأقدم والأكثر قداسة: الطريق المقدس (Via Sacra)، الشريان المتصل بالكولوسيوم، حيث كانت السماء تمطر ذهباً والآلهة تسير بين البشر.
دعونا نرجع بالتاريخ إلى الخلف، قبل أن يخفت الضوء الإمبراطوري، إلى اللحظة التي كان فيها هذا الشارع عنواناً للكون.
المُنعَطَفُ الخَطيرُ: بَينَ المَجدِ وَالدَّم
ها نحن نقف في أقصى الطرف الشرقي، عند سفح المدرج الفلافي (الكولوسيوم). لم تكد تجف حجارة هذا الوحش المعماري بعد؛ بني بغنائم حرب اليهود وافتتحه الإمبراطور تيتوس عام 80 ميلادية بألعاب دموية استمرت مئة يوم. من هنا، ينطلق موكب أباطرة وقادة، ليسيروا تحت قوس تيتوس الشامخ، الذي تروي نقوشه البارزة قصة نهب القدس. الطريق ليس مستقيماً كما تظن؛ انحناءته خلف القوس كانت شاهدة على إعادة تخطيط نيرون بعد حريق روما الكبير عام 64 بعد الميلاد.
هذا هو “سما ساكرا فيا” (Summa Sacra Via)، أعلى نقطة في الطريق وأكثرها قداسة. هنا،الطريق المقدس حيث تتجمع المعابد كالجواهر في عقد: معبد فينوس وروما الذي صممه الإمبراطور هادريان بنفسه، يلمع برخامه الشرقي القادم من المحاجر البعيدة. وإلى الشمال، تقوم أعمدته المهيبة مخترقة زرقة السماء، ليس مجرد زينة، بل إعلان عن أن روما هي سيدة العالم، وأن هذا الطريق هو ممشى ملوكها.
صَوتُ الألفِ مَلَكُوت: سِمفونِيَّةٌ مِن لَحمٍ وَحَجَر
نقف هنا ونغمض عيوننا. ماذا نَسمع؟ إنه ليس الهدوء الذي نعرفه اليوم.
هذا الشارع، الذي تصطف على جانبيه الأعمدة الرشيقة التي شيدها نيرون كرواق مسقوف يمتد من المنتدى إلى مدخل “البيت الذهبي”، لا ينام أبداً. إنه وادٍ من الحجر يضخم كل شيء. تسمع الصوت الإيقاعي لصنادل الجنود (الكاليغا) وهي تضرب حجارة البازلت السوداء، ممتزجة بصهيل خيول قادة الجيش المتجهين إلى معبد جوبيتر في مواكب النصر. العربات الثقيلة ممنوعة في النهار، لكن ضجيج الحمالين وهم يحملون أمتعة التجار على أكتافهم يصنع أزيزاً متواصلاً.
في الهواء، تتقاتل الروائح: بخور معبد فيستا المقدس يمتزج برائحة التوابل الشرقية والزعفران، ثم تفاجئك رائحة السمك النفاذة القادمة من ساحة “ماتشيلوم” القريبة، ورائحة الخبز الساخن التي تُباع في “التابيرني” (المحال الصغيرة) المفتوحة على الشارع مباشرة. وقبل أن تغرق في القداسة، تصرخ بائعة جالسة على درج معبد: “جُبْنٌ طَازَج.. زَيْتُونٌ أَخْضَر!” ليوقظك من غفلتك. هذا هو المزيج الروماني العجيب: دم المصارعين في الكولوسيوم، وقدسية آلهة فيستا، وجشع الصيارفة في البازيليكا، كلها تسير في الشارع نفسه.
… نِسَاءٌ يَمشِينَ عَلَى المِيَاهِ المُقَدَّسَة
وسط هذا الصخب الذكوري، تترجل آلهات من لحم ودم. ها هي امرأة من طبقة النبلاء تقترب، لا تسير وحدها أبداً، بل تحفها جارياتها وتحملها “السيلا” (الكرسي ذوعجلات الملكي) المزينة بالعاج. بين أعمدة الشارع، ترى “متيلا” تخطو متبخترة بـ “ستولا” (Stola) طويل يحتضن جسدها حتى الكاحلين، ومن فوقه “بالا” (Palla) صوفي مطرز بالذهب يغطي رأسها بتواضع أرستقراطي مصطنع. ترتدي في معصمها أفعى ذهبية مرصعة بالزمرد، وفي أذنها لؤلؤة ضخمة من لآلئ الخليج العربي.
نساء روما هنا لسن مجرد زينة. إنها زوجة أحد الشيوخ، تتجه إلى بازيليكا إيميليا حيث تجري الصفقات المالية باسم زوجها الغائب. عبر الطريق، تسير امرأة من الطبقة الدنيا بثوبها البسيط، تحمل سلة تين إلى السوق، وعيناها تلمعان بذكاء وهي تساوم على السعر. وفي رواق “بورتيكوس مارغاريتاريا” (Porticus Margaritaria)، سوق اللؤلؤ والجواهر الفاخر الملاصق للشارع، تقف أجمل نساء روما وهن يخترن عقوداً تليق بحفلات القصر الليلية. إنها لوحة لا تقل حيوية عن جادات الموضة في باريس أو أبراج دبي اليوم.
… تَحتَ أَعمِدَةِ العِمْلاقَة: سُوقُ العَالَم
تتعالى صيحات الباعة هنا وكأنها طبول حرب. بعد حريق نيرون المدمر، تحول هذا الشارع إلى صف طويل من المتاجر المتلاصقة، تعلوها طوابق سكن الفقراء المكتظة كخلية نحل. ها هو “ماركوس كايديسيوس إيروس”، العبد السابق الذي صار صائغ ذهب، يعرض مصوغاته الرقيقة خلف واجهة متجره الصغير. وبجانبه يعرض تاجر أقمشة حريراً صينياً يصل عبر طريق الحرير، وقرمزاً فينيقياً هو ملك الأصباغ. وهنا، على قارعة الطريق، مقامرون يلقون أحجار النرد أمام بازيليكا جوليا، يراهنون على آخر قطعة فضية في جيوبهم ضاربين بعرض الحائط بقدسية المكان. ومن بعيد، تسمع صوت سيناتور شيخ يخطب في حلقة نقاش ساخنة عن الحرب في داسيا (رومانيا)، يتوسط مجموعة من المواطنين في طرف المنتدى.
ليس هناك ما هو أدنى من طموح روما. إعلانات مصارعة مصنوعة من الخشب معلقة على الأعمدة، تحكي عن مبارزة ستجمع بين بطل من الغال وأسدين نوبيين.
… ضَوءُ الغُرُوبِ وَبَقَايَا المِلْحَمَة
مع اقتراب المساء، يتغير لحن الشارع. ينسحب الأغنياء إلى حماماتهم الفاخرة، بينما يبدأ الشارع في إفراز وجهه الآخر. تظهر نساء يبعن أجسادهن إلى جانب الطريق، يبحثن عن زبون بين ظلال الأعمدة. تختلط ضحكات المخمورين الخارجة من الحانات الصغيرة برائحة “الغاروم” (صلصة السمك المخمر) النفاذة.
عندما تنظر من أعلى الشارع نحو الكولوسيوم، وقد صبغت شمس الغروب أعمدته بلون الدم، تدرك حقيقة واحدة: هذا الشارع ليس مجرد حجارة مرصوفة. إنه “محور العالم” (Umbilicus Urbis). في هذه الأمتار القليلة، ترى الوجود كله: رجلاً يصعد ومملكة تسقط، قديساً يصلي وعاهرة تغوي. لو كان بإمكان هذه الحجارة أن تنطق، لأخرجت صراخ الجماهير في الكولوسيوم، وهمسات كليوباترا، وتعاليم الرسل الأوائل القادمين من المشرق، وأغاني العبيد القادمين من كل بقاع الأرض.
إنها روما، التي لو جُمعت نيويورك وباريس ولندن ودبي في يومنا هذا، لما استطاعت أن تخلق ذلك المزيج المتفجر من القداسة والدنس، ذاك الشعور بأنك تقف في مركز الكون حرفياً. إنه شارع يشبه الحياة تماماً: لا نهائي، صاخب، مجيد، وقاسٍ.
الغبار الآن يغطي هذه الحجارة، ولكن صدى خطى القياصرة لم يمت بعد. إذا أصغيت جيداً، قد تسمع همهمة الإمبراطورية من تحت قدميك … R-A#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت. .


