حين يُذكر اسم نيكولا تسلا يتبادر إلى الذهن ذلك العقل الذي أضاء العالم حرفيًا. كان رجلاً سابقًا لعصره بسنوات طويلة، حلم بعالم تصل إليه الطاقة بسهولة وحرية، واخترع تقنيات غيرت شكل الحضارة الحديثة. بفضل أفكاره حول التيار المتردد، أصبح نقل الكهرباء لمسافات طويلة ممكنًا، وهو الأساس الذي تعتمد عليه شبكات الطاقة في معظم دول العالم اليوم. ورغم عبقريته الفريدة، لم يكن تسلا باحثًا عن الشهرة بقدر ما كان باحثًا عن المعرفة وإفادة البشرية.
في نهاية القرن التاسع عشر، احتدم الصراع التقني المعروف باسم حرب التيارات بين أنصار التيار المستمر بقيادة توماس إديسون، وبين أنصار التيار المتردد الذي دافع عنه تسلا. وقد أثبت الزمن أن رؤية تسلا كانت الأكثر كفاءة وملاءمة لتزويد المدن بالطاقة. ساهمت أفكاره واختراعاته في بناء محطات كهربائية عملاقة مثل محطة شلالات نياجرا التي أصبحت رمزًا لانتصار التيار المتردد وانتشار الكهرباء على نطاق واسع.
لكن حياة تسلا لم تكن مليئة بالانتصارات المادية، فقد عاش سنواته الأخيرة في عزلة نسبية، بعيدًا عن الأضواء التي غالبًا ما ذهبت إلى غيره من المخترعين. لم يسعَ إلى الثروة رغم أن أفكاره كانت قادرة على صنع إمبراطوريات كاملة. كان يعيش في غرف الفنادق ويواصل التفكير في مشاريع مستقبلية مذهلة مثل نقل الطاقة لاسلكيًا عبر الأرض والجو، وهي أفكار ما زال العلماء يناقشونها حتى اليوم.
وفي عام 1943، رحل تسلا عن هذا العالم في هدوء داخل غرفة متواضعة في أحد فنادق مدينة نيويورك، دون ضجيج أو احتفال يليق بعظمة إنجازاته. لكن الزمن أعاد إنصافه؛ فالعالم اليوم يدرك أن كثيرًا من التكنولوجيا الحديثة قامت على الأسس التي وضعها فالمشروعات الكبرى تطلق على اسمه ليبقى تأثيره فاعلا حتى بعد رحيله.
لقد رحل في صمت، لكنه ترك نورًا ما زال يضيء حياة البشرية حتى يومنا هذا في تذكير واضح ان الرحيل لا يعني نهاية المسير.
# مجلة إيليت فوتو آرت


