جوليانا موريل: الترجمة بصفتها محادثة روحية: شاعرة إسبانيا من عصر النهضة الأوربي
بورتريه لجوليانا موريل، في كتاب «رسالة في الحياة الروحية» للقديس فنسنت فيرير، […] ليو، جولييرون عام 1617 يسارا: يُظهر معرض «الإرث المُعاد اكتشافه لجوليانا موريل (1594-1653)» في دير بيدرالبيس (2024) تمثيلا للشاعرة بعد نذرها الرهباني الدومينيكاني.
ترجمة وتقديم: شاكر لعيبي
جوليانا موريل Juliana Morell المولودة في 16 فبراير/شباط 1594 في برشلونة، مملكة أراغون، والمتوفاة في 26 يونيو/حزيران 1653 في أفينيون، فرنسا، وُصفت بأنها كانت طفلة عبقرية، راهبة دومينيكانية ناطقة بالفرنسية، فيلسوفة، لاهوتية، متعددة اللغات، مترجمة، شاعرة وإنسانية. يُعتقد أنها أول امرأة تحصل على درجة الدكتوراه في القانون، في سن الرابعة عشرة. وهي رمزٌ بارزٌ في مجال الدراسات النسائية.
تنحدر جوليانا موريلا من عائلة يهودية اعتنقت المسيحية، في برشلونة، أراغون، فقدت والدتها في الثانية أو الثالثة من عمرها. تلقت تعليمها الأولي على يد راهبات دومينيكانيات في دير مونتيسيون في المدينة نفسها، حيث تلقت تعليما مسيحيا.
على الرغم من كونها مسيحية حديثة العهد، إلا أنها كانت تُقدّر تراثها اليهودي وتفيد منه بشكل كبير خلال دراستها. كان والدها خوان أنطوني موريل صاحب متجر وصرافا (أو مصرفيا، وفقا لبعض المصادر)، يمتلك أربعة متاجر في برشلونة ولريدا. في البداية، كرّس نفسه لتجارة الأقمشة، لكنه توسّع لاحقا ليشمل بيع سلع متنوعة. كان رجلا «ماكرا وذكيا»، انخرط في صراعات زمنه وصادق شخصيات نافذة.
بدأت جوليانا، في الرابعة من عمرها، دراسة اللاتينية واليونانية والعبرية في المنزل على يد معلّمين إنسانيين بارعين، إذ أدرك والدها مبكرا قدراتها الفكرية، ورغب في تنميتها «لترسيخ فضيلتها الكاملة». وقبل أن تبلغ السابعة، كانت تدرس القانون والموسيقى ـ الأرغن، والهاربسيكورد Harpsichor: آلة موسيقية وترية ذات لوحة مفاتيح، انتشرت بقوة في أوروبا بين القرنين السادس عشر ومنتصف الثامن عشر، وتعتبر السلف المباشر للبيانو والعود. كما أتقنت لغات قديمة إلى جانب الإسبانية والكتالونية؛ وكتبت رسالة باللاتينية إلى والدها الغائب الذي طلب منها مخاطبته «باللاتينية المناسبة». وفي عام 1601، اتُهم والدها بالتورّط في جريمة قتل، فهرب إلى مدينة ليون مع ابنته البالغة من العمر ثماني سنوات. وفي ليون، أصرّ على أن تواصل جوليانا دراستها، فخصّصت من ثماني إلى تسع ساعات يوميا للبلاغة والجدل والأخلاق والموسيقى. وفي الثانية عشرة من عمرها، كانت قد أتقنت على الأقل اللغات الفرنسية والإيطالية والعربية والسريانية، ودافعت علنا عن أطروحتها بامتياز في الأخلاق والجدل.
ثم اتجهت إلى دراسة الفيزياء والميتافيزيقا والقانون الكنسي والمدني. في هذه الأثناء، كان والدها قد استقر في أفينيون – التي كانت آنذاك جزءا من الولايات البابوية – وكان يرغب في أن تحصل ابنته على درجة الدكتوراه في القانون. في عام 1606 أو 1607، وفي سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، دافعت عن أطروحاتها الفلسفية (المنطق والأخلاق) خارج الجامعة في ليون، مُظهرة براعتها في اللاتينية واليونانية والعبرية. أهدت أطروحتها في الفلسفة إلى مارغريت النمساوية، ملكة إسبانيا والبرتغال وستيريا (وهذه ولاية تقع في جنوب شرق النمسا). في هذه المناسبة، كلف والدها برسم صورة لابنته (التي كانت تبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة)، وهي ترتدي زي راهب كابوشي، لتُرفق بالنسخة المطبوعة من أطروحاتها. «وُزعت نسخ من هذه الأطروحات (المفقودة الآن)… على ملكات إسبانيات أخريات كنّ على رأس حكومات مختلفة، وعلى البابا بولس الخامس. كان لهذا الحدث أثر بالغ، حتى أصبحت جوليانا رمزا للمرأة المتعلمة في جميع أنحاء أوروبا». درست جوليانا موريل الفيزياء والميتافيزيقا (بما فيها فلسفة أرسطو) والقانون بين سن الثانية عشرة والرابعة عشرة، كما ذكرت ماري دي ميرل دي بوشامب (1751-1801) في كتابها «سيرة جوليانا موريل المختصرة». تحققت أمنية والدها عام 1608 عندما دافعت علنا عن أطروحتها في قصر الباباوات، أمام نائب المندوب البابوي في أفينيون، بحضور نخبة من الشخصيات المرموقة من بينهم أميرة كوندي، وحصلت على درجة الدكتوراه في القانون بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى. كانت جوليانا موريل أول امرأة في أوروبا تحصل على شهادة جامعية في مطلع القرن السابع عشر، إلا أن الظروف المحيطة بهذا الأمر غير واضحة، ولا يزال هذا الأمر محل جدل.
غير مُبالية بالثروة وعرض زواج مُغرٍ مدعوم من والدها الذي أغضبته بدخولها، رغما عنه، دير سانتا براسيدي الدومينيكاني في أفينيون في العام نفسه، كراهبة مبتدئة، وبقائها هناك. وكما تُوضح بنفسها في سيرتها الذاتية الموجزة، شعرت بدعوة الحياة الرهبانية في سن الثالثة عشرة. في عام 1609، ارتدت زي الرهبنة، وفي 10 يونيو 1610، نذرت نذورها النهائية كراهبة دومينيكانية. عُينت رئيسة للدير ثلاث مرات. هناك، واصلت تأملاتها وكتاباتها، مُنمّية موهبتها في الشعر والموسيقى: عزفت على الأرغن والسبينيت [بيانو عمودي صغير] والعود، وألّفت مقطوعات موسيقية، وعملت كقائدة للجوقة. وضعت جوليانا موريل لوائح الدير، مُدخلة ممارسات لم تكن مُدرجة في النظام الدومينيكاني. كما شاركت في الإصلاح الكاثوليكيّ في فرنسا «بسلطة فكرية ودينية». في السابعة عشرة من عمرها، كانت جوليانا الشابة تتحدث وتقرأ وتكتب بأربع عشرة لغة. «كانت القراءة، وخاصة الترجمة، التي تُفهم على أنها حوار روحي يُفضي إلى الصلاة، جزءا من عملها كمُعلمة للراهبات المبتدئات، ونشرت كتاباتها مُلتزمة بواجب الطاعة» الدينية. وحرصت، في ديرها على الاهتمام بالكلمات ومعانيها، مُشددة على إشاراتها إلى النسخة العبرية من آيات الكتاب المقدس. ومن خلال ترجماتها وشروحها، فضلا عن كتاباتها الروحية، تمحور فكر موريل حول كمال الروح. لم تُحفظ قصائدها باللغة الفرنسية. من خلال ترجماتها وشروحها، فضلا عن كتاباتها الروحية، تمحور فكر موريل حول كمال الروح. وفي العامين الأخيرين من حياتها، عانت جوليانا موريل معاناة جسدية شديدة، واستمرت آلامها التي أودت بحياتها خمسة أيام، حتى 26 يونيو 1653.
في عام 1941، أشار المؤرخ سيلفانوس مورلي إلى أن الادعاء بحصول جوليانا موريل على درجة الدكتوراه نابعٌ من قراءة خاطئة قام بها خواكين روكا إي كورنيت عام 1859 لوثائق لاتينية من القرن السابع عشر. واستشهد بمصادر أخرى تُفيد بأنها بالفعل «دافعت عن أطروحاتها» عام 1606 أو 1607 في ليون أو ربما أفينيون، ولكن على الرغم من رغبة والدها في حصولها على الدكتوراه، إلا أنها رفضت ذلك، معتبرة إياه غير متوافق مع وضعها كراهبة. وكانت إيلينا كورنارو بيسكوبيا أول امرأة تحصل على درجة الدكتوراه في العصر الحديث عام 1678 من جامعة بادوا؛ وتشير مصادر أخرى إلى ستيفانيا ووليكا من جامعة زيورخ عام 1875.
أكسبها علمها ومعرفتها الواسعة لقب «معجزة عصرها» من معاصريها. في وثيقة تعود لعام 1613، كتب والدها الذي عمل بلا كلل من أجل نجاح ابنته، بتواضع: «إنها تُعتبر قديسة (في ديرها). لا تظنوا أن هذا معجزة، فالفضل يعود في معظمه إلى مثابرتي. المعلّمون الجيدون والكتب القيّمة والمثابرة هي ما يجعل هذه الأمور بمثابة معجزة». في قصيدة مدح من العصر الذهبي، يتحدث عنها لوبي دي فيغا Lope de Vega (1562- 1635هو شاعر وكاتب مسرحي إسباني جوهري) اعتبارها الرابعة من النعم والعاشرة من ربات الإلهام»، ويقول «إنها كانت ملاكا يُعلّم جميع العلوم علنا في قاعات المحاضرات والمدارس». يُقدّم لوبي دي فيغا في الحقيقة سلسلة من المدائح لموريل في قصيدته «غار أبولو» (1630)، وهي رواية يُزعم أنها تُصوّر مهرجانا احتفل به أبولو تكريما للشعراء المعاصرين. في الأبيات المُهداة لموريل، وُصفت بأنها «العاشرة من بين ربات الإلهام». يضيف لوبي دي فيغا أن موريل كانت تُلقي محاضرات عامة في «جميع العلوم» في «الكاتدرائيات والمدارس».
في قاعة الشخصيات اللامعة في قاعة جامعة برشلونة (1874)، لم يُذكر سوى اسمي جوليانا موريل وتيريزا دافيلا. منذ عام 1990، تسعى الجمعية القومية «مدينة برشلونة 2020» إلى تحقيق السيادة الوطنية الكاملة والدفاع عن اللغة الكاتالونية وتعزيزها. كما تضمّ الجمعية معهد جوليانا موريل، المُكرّس للبحوث الاجتماعية والسياسية من خلال دورات تدريبية ومؤتمرات ومناقشات وندوات، بالإضافة إلى إنتاج الوثائق وغيرها. في مقاطعة كاتالونيا، تُخصّص لها مساحات عامة، وسيرتها الذاتية معروفة على نطاق واسع، بفضل الوثائق التي جُمعت من ديرها. مع ذلك، لا يزال عملها وفكرها الباروكي، الذي يقع بين اليهودية والمسيحية، غير معروفين نسبيا. وقد خُصّصت لها ندوة في عام 2024، ويُجري الباحثون حاليا دراسات معمّقة حول أعمالها. من 13 ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى 2 يونيو 2024، يُقام معرض بعنوان «الإرث المُعاد اكتشافه لجوليانا موريل (1594-1653)» في دير بيدرالبيس في برشلونة، برعاية الخبيرة جورجينا راباسو.
تُحفظ المجموعة الرئيسية لأعمال موريل في مكتبة أفينيون، المعروفة أيضا باسم مكتبة تشيكانو ميديا. كما تضم مكتبة الآثار بجامعة برشلونة بعض الأعمال التي كانت جزءا من مكتبة موريل الشخصية. تركت وراءها عددا من النصوص الدينية:
ترجمة لكتاب «الحياة الروحية» لفينسنت فيرير، مع شروح وتعليقات على فصوله المختلفة (ليون، 1617؛ باريس، 1619)؛ كتاب «الرياضات الروحية في الخلود»، الذي يتضمن ترجمات وتفاسير لمقاطع من الكتاب المقدس (1637): «انهضي، أسرعي يا حبيبتي، يا حمامتي، يا جميلتي، فقد انقضى شتاء الألم، وزالت أمطار البلاء والدموع، وبدأ ربيع الخلود الجميل وأبريل الأبدي يزهران لك». ترجمة فرنسية لقواعد القديس أوغسطين، مع إضافة شروح وملاحظات متنوعة لأغراض الإرشاد (أفينيون 1680): «يوصي القديس أوغسطين أيضا بالقراءة الروحية.» ولكن من الضروري اختيار كتب ذات جودة وفائدة، فالكتب الغريبة قد تُشتت الذهن وتُلهيه، بينما الكتب الدينية تُقوّيه. القراءة المتأنية تُعدّ تحضيرا ممتازا للصلاة، بل هي جزءٌ منها، إذ يُخاطبنا الله من خلال الكتب الصالحة. تاريخ إصلاح دير القديسة براكسيديس، مع سير بعض الراهبات التقيات، في المخطوطة؛ قصائد باللاتينية والفرنسية، بعضها مطبوع والبعض الآخر مخطوط.
الترجمة بصفتها محادثة روحية، جوليانا موريل: دراسة جورجينا راباسو:
كتبت الباحثة جورجينا راباسو، من قسم الدراسات اللاهوتية في جامعة برشلونة دراسة ضافية بعنوان «الترجمة بصفتها محادثة روحية: جوليانا موريل» عن العبقرية اللغوية لشاعرة عصر النهضة الإسبانية. لأهميتها نقدّم مقتطفات منها. تقول الباحثة: «كانت جوليانا موريل متعددة اللغات منذ طفولتها، وكانت هذه إحدى السمات التي جعلتها تبرز في عصرها كـ»معجزة». في مقطع من سيرتها الذاتية، ضمن رسالة وجهتها إلى الملكة النمساوية آن، ونُشرت كإهداء إلى جانب ترجمتها وتعليقها على كتاب فنسنت فيرير، «رسالة في الحياة الروحية»، لم تُشر موريل إلى معارفها اللغوية، بل ذكرت فقط أنه «قبل أن أبلغ الخامسة من عمري، عهد بي والدي لدراسة الأدب». ومع ذلك، وردت هذه المسألة بالتفصيل في ثلاث سير ذاتية من القرن السابع عشر كتبها أعضاء من الرهبنة الدومينيكانية. ففي كتاب «حياة الأم الجليلة جوليان موريل»، يشرح الباريسي توماس سوج Thomas Souèges 1689، 939 أنه بفضل التعليم الذي قدّمه العديد من المعلمين تحت إشراف والدها، خوان أنطونيو موريل، «كانت هذه الفتاة الرائعة، تعرف في سن الثانية عشرة، بالإضافة إلى لغتها الأم، وهي الكاتالونية، كيف تتحدث القشتالية والفرنسية والإيطالية واللاتينية واليونانية والعبرية». في الطبعة التي صدرت بعد وفاة موريل لترجمتها وتعليقها على قانون أوغسطينوس من هيبو Reglade Agustínde Hiponase تم إلحاق ملاحظتين سيرتين ذاتيتين مع أوجه تشابه ملحوظة مع ما ذكره سوج، ولكن أيضا مع اختلافات كبيرة. تذكر رفيقتها ورئيسة دير سانت براكسيدسPráxedes آري دي ميرل دي بوشام Marie de Merle de Beauchamps في سيرتها الذاتية (1680، 198؛ محفوظة بنسخة أطول منشورة عام 1866) أن جوليانا كانت «في سن الثانية عشرة تتحدث اللاتينية واليونانية والعبرية والكلدانية والإيطالية والعربية والإسبانية والفرنسية بطلاقة، وكانت اللغتان الأخيرتان طبيعيتين بالنسبة لها». من جانبه، يوضح فنسنت بارون (1680، 237)، المرشد الروحي لجوليانا، أنها «كانت ملمّة جدا، بجميع اللغات تقريبا: العبرية والكلدانية والسريانية واليونانية واللاتينية والفرنسية والإسبانية والإيطالية». من الصعب تحديد مدى إتقان موريل هذه اللغات، وتحديد معرفتها باللغات السامية: تَذكر شهادتان كل من اللغة السريانية أو الكلدانية، وتشير واحدة فقط إلى اللغة العربية. أغفل سوج هذه المعلومات، ويكمن الاختلاف الثاني بين هذه الشهادة وغيرها، في أنها تذكر اللغة الكاتالونية كلغة أمّ للشاعرة. في سن الثانية عشرة، كانت تتقن اللاتينية واليونانية والعبرية والكلدانية والإيطالية والعربية والإسبانية والفرنسية إتقانا تاما: وكانت اللغتان الأخيرتان سهلتين عليها. كانت مُلِمّة إلماما واسعا بجميع اللغات تقريبا، العبرية والكلدانية والسريانية واليونانية واللاتينية والفرنسية والإسبانية والإيطالية. يبدو أن اللغة العبرية كانت لغةٌ مألوفةٌ لجوليانا التي وُلدت في عائلةٍ يهودية الأصل، وكانت تمتلك كتبا عبرية في مكتبتها الشخصية، وتشير في مناسباتٍ عديدة إلى الاختلافات اللغوية العبرية في الآيات التوراتية التي تحلّلها وتفسّرها. وفيما يتعلق بإتقانها للغة اليونانية، تجدر الإشارة إلى أنه في كلٍ من برشلونة وأفينيون، توجد بعض الكتب اليونانية التي تحمل علامة تملك لجوليانا موريل، ومن بينها مجلدان من رسائل أرسطو في المنطق، التي تتضمن كتاباتٍ فلسفية أخرى حول الموضوع نفسه، مثل كتاب «إيساغوجي» لبورفيريوس. #شاكر لعيبي#م٠لة ايليت فوتو ارت…


