راس شمرا التاريخ الذي انتج الاسطورة- الملحمة الخلق السورية.

.. ملحمة الخليقة السورية الأولى : عندما هزم الإله بعل البحر وتحدى الموت في تلال رأس شمرا السورية، وتحديداً في عام 1928، كان فلاح يحرث أرضه حين عثر على قبر قديم، ليفتح عن غير قصد أوسع نافذة على عالم روحاني ضاع في غياهب التاريخ. فتحت الأرض فاها لتُخرج للعالم ألواحاً طينية دوّن عليها كاهن يدعى “إليملك” في القرن الثالث عشر قبل الميلاد قصائد ملحمية عن صراع الآلهة على الجبل المقدس . كان ذلك اكتشاف مملكة أوغاريت، عاصمة الثقافة الكنعانية، حيث عُثر على آلاف الألواح التي كشفت النقاب عن ديانة كاملة ظلت لعقود حبيسة الإشارات التوراتية المقتضبة .حينما كان البحر عدواًفي ستة ألواح طينية، رسم الكاهن إليملك صورة كونية للصراع بين قوى النظام والفوضى. ففي البدء، كان “يَم” (البحر) يهدد عالم الآلهة بغطرسته. يصف عالم الآثار “مارك سميث” من جامعة برينستون في دراسته الموسوعية عن دورة بعل كيف أن “يَم” أرسل رسله إلى المجلس الإلهي مطالباً بتسليم الإله بعل، متوعداً بعقاب لم يسبق له مثيل . هنا يتدخل الإله الحرفي “كُوثار-و-خاسيس” (الماهر الحكيم) ليصنع لبعل سلاحين سحريين، أسماهما “الطارد” و”المطارد”، ليواجه بهما وحش البحر العملاق . المشهد كما تصوره الألواح درامي بامتياز: بعل يضرب البحر على صدره، فيترنح العملاق ويسقط. ليس هذا مجرد انتصار عابر، بل إعلان عن ميلاد نظام كوني جديد يحل محل الفوضى البدئية .عَنَت: العذراء المحاربة لكن انتصارات بعل لم تكن ممكنة لولا وجود شخصية أنثوية استثنائية. إنها “عَنَت”، الفتاة العذراء التي تصفها النصوص بأنها “سيدة القوة” و”شقيقة بعل”. المشهد الأكثر عنفاً في الأدب الأوغاريتي ربما هو ذلك الذي تصفه اللوحة رقم 3، حيث تخوض عنات معركة دامية في الوادي، تغرق في دماء الجنود حتى ركبتها، ثم تسير في بحر من الرؤوس المقطوعة والأيادي المتناثرة . لكن عالمة الأنثروبولوجيا “بيجي داي” ترى في هذا العنف أكثر من مجرد وحشية؛ إنه تعبير عن الجانب المدمر للوجود الضروري لقيام نظام جديد. عنات في التحليل النهائي هي حامية أخيها، بل والأهم من ذلك، هي التي ستقوم فيما بعد بإنقاذه من أعتى قوة في الكون: الموت .موت يبتلع الإله العجيب في هذه الأساطير أنها لا تخشى تصوير هزيمة آلهتها. بعد أن يبني بعل قصره الملكي على جبل “صَفُون” (جبل الأقرع حالياً على الحدود السورية التركية)، يتحدى الإله “مُوت” (الموت). وما كان من موت إلا أن قبل التحدي بطريقته الخاصة: دعا بعل إلى وليمة في العالم السفلي، وما أن وطأت قدماه هناك حتى ابتلعه موت كالأسد الجائع. تصف النصوص المشهد بلغة مؤثرة: “دخل بعل في جوف موت، كالزيتون في مهبطه، كنتاج الأرض في فمها” . هنا تتوقف الأمطار، ويصيب الجفاف الأرض، ويسود الحزن المجلس الإلهي.عند هذه النقطة، تظهر عنات مجدداً. لا تقبل باستسلام أخيها للمصير نفسه. تنزل إلى العالم السفلي، تمسك بموت وتشهر فيه سكيناً، تذريه وتطحنه وتحرقه ثم تذره في الحقل لتأكله الطيور. في مشهد أشبه بالقيامة، يعود بعل إلى الحياة ويستعيد عرشه .عشتروت وخصب الأرض إلى جانب عنات، تظهر الإلهة عشتروت (عشتار في بلاد الرافدين) كرمز للخصب والحب. يرى عالم الآثار “فرانك مور كروس” من جامعة هارفارد أن عشتروت مثلت الوجه الآخر للقوة الأنثوية: قوة الخلق والتناسل مقابل قوة عنات التدميرية. تظهر النقوش أن عشتروت كانت تتربع مع عنات إلى جانب بعل في معبده، مما يشير إلى ثالوث متكامل: الملك المحارب، والمرافقة المحاربة، والأم الخصبة .قراءة علماء الآثار تأثير هذه القصص أسئلة عميقة حول طبيعة التفكير الديني في سوريا القديمة. يرى عالم الأنثروبولوجيا “جيمس فريزر” أن دورة بعل تعكس دورة الزراعة والخصب: موت الإله في الخريف وصعوده في الربيع. لكن عالمة الآثار “مارغريت يون” التي عملت في رأس شمرا لعقود ترى أن الأمر يتجاوز مجرد أسطورة زراعية؛ إنها دراما كونية عن الصراع بين النظام والفوضى، بين الحياة والموت، وهي ثنائية ستظهر لاحقاً في الفلسفة اليونانية والفكر الغربي .المدهش أن هذه النصوص تقدم لنا أيضاً لمحات عن الحياة الاجتماعية. ففي أحد الألواح المحفوظة في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، نقرأ عن تنظيم “المَرزَء” (marzeah)، وهي جمعية دينية كانت تجتمع في غرف خاصة لإقامة الولائم وإحياء ذكرى الموتى، وهي ممارسة استمرت لقرون وانتقدها لاحقاً الأنبياء العبرانيون .إرث من الطين ما تزال ألواح أوغاريت محفوظة في متاحف العالم، لا سيما في المتحف الوطني بدمشق ومتحف اللوفر. تحكي هذه القطع الطينية الصغيرة قصة شعب آمن بأن الحياة صراع دائم بين قوى الخير والشر، بين بعل ويَم، بين عنات وموت. وفي النهاية، كما يخبرنا عالم الآثار “ميلر بروسر” من جامعة شيكاغو، فإن هذه القصص شكلت الخلفية الثقافية التي نبتت منها لاحقاً الديانات التوحيدية، وما زالت أصداؤها تتردد في لغتنا وثقافتنا حتى اليوم .تقف تلك الألواح الصامتة في قاعات المتاحف، لكنها إن نطقت فإنها تروي للإنسانية جمعاء قصة سوريا الغارقة في القِدم: قصة بحث الإنسان عن معنى للحياة في مواجهة الموت، قصة انتصار النظام على الفوضى، وقصة إيمان عميق بأن الحياة تنتصر دائماً …********

# المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم