ذكرى إميلي ديكنسون .. ألعاب طفلة في شعرية الاحتمال

جولي ريتشاردسون تلعب دور إميلي ديكنسون في مسرحية “حسناء أمهيرست”، نيويورك، 2014 (Getty)

  • سناء عبد العزيز

لطالما قرأنا عن عزلة الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون (1830-1886)؛ تلك الفتاة الخجولة التي ترتدي الأبيض، ولا تكاد تغادر غرفتها الهادئة في أميرست، لكننا اليوم، وفي الذكرى الأربعين بعد المئة لرحيلها، نقف بفضل الثورة الأرشيفية الحديثة وفحص مخطوطاتها الأصلية، أمام نسخة مغايرة لوجه طفلة عبقرية؛ تمارس الكتابة بوصفها لعبة شيقة، وتستند إلى عقل هندسي بارع، زاوج بين دقة الكيمياء ومنطق إقليدس، ليعيد صياغة الفضاء النصي داخل مختبر طفولي مرح.

شعرية الأُحجية

في غرفتها التي حافظت على أسرارها، لم تكن إميلي سوى طفلة ماكرة تعيد ترتيب ألعابها؛ تقصّ حواف قصاصات الورق، وأغلفة الرسائل، وعلب الشوكولاتة بعناية فائقة. وما إن تقف أمام الرقعة الضيقة، حتى تتحول الورقة بين يديها إلى أرض للعجائب: “يُنخل في غَرَابِيلَ رَصَاصِيَّة/ يبعثر مسحوقه فَوْقَ الغَابَة/ يحشو تجاعيد الطَّرِيقِ/ بقطن نَاصِعٍ كالمرمر/ ينحت وجهاً مستوياً/ من السهل والجبل/ جبهته المتصلة بلا شرخٍ/ تبدأ من الشرق/ لتعود إلى الشرق”.

هل خمّن القارئ أن القصيدة تتحدث عن ندف الثلج؟ ربّما. فهي مساحة تفاعلية تُزرع فيها (الغرابيل والطحين والقطن) بوصفها إحداثيات مخبأة تقود الآخر داخل اللغز، بينما تفضح تلك الوجوه المستوية قسوة الصقيع الكامنة خلف هشاشته البيضاء. تلك كانت طبيعتها: “قُل الحقيقة كاملة، لكن قُلْها مواربة”، لذلك قرصنت اللغة واختارت لعبة الغُمّيْضَة؛ فحذفت الموجودات من عناوين قصائدها ومتونها، واصفة القطار، والبرق، والصقيع، والموت، عبر الأثر، وما عليك سوى تتبع الآثار، لتؤسس بذلك لـ”شعرية الأُحجية”.

استخدمت الطيّات والأظرف وشكل الصفحة جزءاً من القصيدة

لكن ما يجعل هذا الخطاب الطفولي متعدد الوسائط حقاً، أن هذه الثيمة امتدت إلى “جسد الورقة”. كتبت إميلي سطرها عن “تجاعيد الطريق” فوق ثنية الورقة نفسها، ليتسلّل الحبر إلى شروخ الطيّة كما يتسلّل الثلج إلى شقوق الأرض! وفي قصيدتها المكتوبة على جناح ظرف ممزّق والتي تبدأ بـ”مُحاكَمٌ دائماً ومُدانٌ منك”، تنحدر الكلمات بشكل مائل وحاد، متلاحمة مع ضيق الحواف، حتى تداهمك تجربة الحصار والزنزانة التي يفيض بها المضمون القضائي.

توثق الأبحاث الأرشيفية الحديثة لسوزان هاو ومارتا ويرنر في كتابهما “اللاشيء الرائع” هذا التلاحم المادي؛ إذ تكشفان كيف اعتمدت ديكنسون هندسة بصرية فوق طيات الأظرُف وتجاعيدها، ليتحول نسيج الورق إلى امتداد عضوي، بل إلى ساحة لعب تتقلب فيها المعاني على وجوهها.

هيا بنا نلعب

لم تقتصر مشاكسة إميلي على الشعر، بل امتدت إلى رسائلها التي تجاوزت الألف، والتي كانت تنعتها بـ”بهجة الأرض”. لقد افتتنت بالإمكانيات الشكلية للرسالة؛ شغفتها اللعبة الكامنة في اللصق والطي، وما تتيحه تلك المساحات من حركة مباغتة بين الداخل والخارج، وبين السرّ والعلن.

يمكننا اليوم أن نتخيّل شقيقها أوستن وهو يضرب كفّاً بكفّ أمام إحدى رسائلها المبكرة، التي كتبتها وهي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، أثناء دراستها في معهد “ماونت هوليوك”. فبعد أن طوت الورقة بعناية داخل الغلاف إلى جوار الملحقات المعهودة، أضافت ملصقة مطبوعة: “أنا أترقب وأتمنى”، ثم أكملت بخط يدها: “من أجلك”. وعلى لسان الظرف، وضعت ملصقاً آخر يقول: “خَمِّن”، وأتبعته بعبارة مراوغة: “إن استطعت”.

أخذ شعرها شكل اللعبة البصرية التي تُكتَشف وتُفك شيفرتها

على امتداد حياتها، ظلّت إميلي تستثمر هذه الإمكانات لتزجية الملل؛ مرفقات تخبئ مرفقات، وطبقات متتالية من الورق تطوى داخل الأغلفة، ومسارات قراءة متعرجة تقودك إلى الحقيقة، بشرط فكّ شيفرتها. لقد أرادت للمعنى أن يظل صعب المنال، كاستعارة حية لذواتنا المختبئة؛ تلك التي قالت عنها يوماً: “ذواتنا، المتوارية خلف ذواتنا، هي التي تخيف أكثر”.

رمية نَرد

منذ أن هزّت ميكانيكا الكم عرش اليقين، لم يعد العالم محكوماً بالحتمية، فبين غمضة عين وطرفتها، سقطنا في شبكة مترامية من الاحتمالات والأكوان المتوازية. وكأن إميلي سبقت هذا الحدس العلمي بقرن كامل حين أعلنت، في عزلتها، أنها تسكن “أرض الاحتمال”؛ تلك المساحة الرحبة التي تضاعف الصورة إلى مئات واللغز الواحد إلى آلاف الألغاز: أَسْكُنُ فِي الِاحْتِمَالِ/مَنْزِلاً أَجْمَلَ مِنَ النَّثْرِ/ نَوَافِذُهُ أكثر عدداً/ وَأَبْوَابُهُ أرحب/ غُرَفُهُ مُمْتَدَّة كَأَشْجَارِ الْأَرْزِ/ تَعْجَزُ الْعَيْنُ عَنِ الْإِحَاطَة بِهَا/ وَسَقْفُهُ الْأَبَدِيُّ/ هُوَ انْحِنَاءَاتُ السَّمَاءِ/ زُوَّارُهُ هُمُ الأرقى/ أَمَّا مَهَمَّتِي/  فَهِيَ/ أَنْ أَبْسُطَ يَدَيَّ الضَّيِّقَتَيْنِ عَلَى اتِّسَاعِهِمَا/ لِأَجْمَعَ الْفِرْدَوْس”.

هكذا أسرت بأناملها الدقيقة، السماء والأرض في قفص الشكل، فداخل الرقعة البيضاء، اعتادت أن تضع علامة الجمع الصغيرة (+) فوق كلمات النص، لتطرح خيارات وبدائل في الهامش، بعضها يناقض البعض ويتقلب بين الموت والحياة، تاركةً للقارئ حرية اختيار الكلمة الأنسب لحالته، لربما أصابته العدوى وراح يفكر في بدائل من لدن ذاته، من هنا تحدث المشاركة المرجوة. وكي تبقي المعنى مفتوحاً، وضعت الشرطات الطويلة (—) بدلا من النقاط الحاسمة؛ شرطات تبدو أحياناً كأذرع ممدودة نحو قارئ محتمل ربما في زمن آخر:-
أَنَا لَا أَحَدَ! مَنْ أَنْتَ؟ —
هَلْ أَنْتَ — لَا أَحَدَ — أَيْضًا؟
إِذَنْ نَحْنُ اثْنَانِ — لَا أَحَدَ! —
لَا تُخْبِرْ أَحَدًا! —
فَسَوْفَ يُذِيعُونَ أَمْرَنَا — كَمَا تَعْلَمُ! —

حافية على جسر الشعراء

من الواضح أن إميلي لم تكن تكتب لوسيط مطبوع، رغم أنها عاشت في العصر الذهبي للطباعة؛ وإلا ما نشرت بضع قصائد لا تتعدى العشر وتركت حوالي 1800 ومضة مرزومة بعناية ومربوطة بأشرطة ملونة على شكل فيونكة داخل خزانة محكمة الغلق. لعل حدسها الطفولي أدرك مبكراً أن قوالب الحروف الحديدية والصفحات المسطحة ستخون، لا محالة، واجهتها التفاعلية، وتصادر احتمالاتها المفتوحة. وهو ما نستشفه من رسالتها الساخرة إلى توماس هغينسون: “أبتسم حين تقول لي إنني أؤجل “النشر” — فالأمر غريب على تفكيري كغرابة قبة السماء عن زعانف السمك. ولو كانت الشهرة مكتوبة لي، فلن أستطيع الهرب منها… رتبتي وأنا حافية القدمين هي المفضلة عندي”.

بعد مئة وأربعين عاماً على رحيلها، يبدو أن رغبتها قد تحققت؛ فالطفلة التي قصّت حواف الأظرف، وبعثرت المفردات، وخبأت المعنى داخل الجيوب والطيات، لم تكن تكتب بالكلمات فحسب، بقدر ما كانت تصمم مجالا واسعا يستدرج لاعبين جدد.

لذلك، لا يبدو مدهشاً اليوم أن يتحول خطاب إميلي ديكنسون متعدد الوسائط إلى مادة ملهمة لألعاب الفيديو والفنون الرقمية؛ إذ أعادت مشاريع بريطانية وأميركية توظيف قصائدها داخل ألعاب لغوية وبصرية. قبل البدء، تظهر القصيدة كاملة على الشاشة، ثم ما تلبث كلماتها أن تتشظى وتتساقط من السماء، ليصبح على اللاعب إعادة جمعها من شظاياها المتساقطة، كما لو أنه يعيد ترتيب قصاصاتها فوق مكتبها الصغير في أمهيرست. وكأن إميلي، بعد قرن ونصف من رحيلها، لا تزال تمدّ يدها من بين الطيّات والشرطات لتقول لقارئها المعاصر: هيا بنا نلعب.

******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم