الفنان بوصفه كائناً بيئياً: تحولات الدور الجمالي في زمن الأزمة د. عصام عسيري في لحظة تاريخية تتسارع فيها الكوارث البيئية وتتعمق فيها أزمة المناخ، لم يعد الفن ترفًا بصريًا أو خطابًا جماليًا معزولًا، بل أصبح في صلب الأسئلة الوجودية التي تواجه الإنسان المعاصر. وفي هذا السياق، يبرز كتاب The Artist as Ecologist للناقدة والقيّمة الفنية Filipa Ramos بوصفه محاولة جادة لإعادة تعريف وظيفة الفنان، لا كمراقب للطبيعة، بل كفاعل داخلها.من تمثيل الطبيعة إلى العيش معها:لطالما ارتبط الفن عبر تاريخه الطويل بتمثيل الطبيعة؛ من المناظر الكلاسيكية إلى التجريدات الحديثة. إلا أن راموس تقترح تحولًا جذريًا في هذا المسار، حيث ترى أن: الفن لم يعد معنيًا بتمثيل البيئة، بل بالانخراط في عملياتها الحيوية.بهذا المعنى، لا يعود الفنان منتجًا لصور عن الطبيعة، بل مشاركًا في شبكتها المعقدة من العلاقات. وهنا يتحول العمل الفني من موضوع إلى عملية، ومن صورة إلى تجربة.الفن كممارسة بيئية:الطرح المركزي في الكتاب يتمثل في فكرة أن الفن ليس فقط وسيلة للتعبير عن القضايا البيئية، بل يجب أن يكون في ذاته ممارسة بيئية. تقول راموس: لا يكفي أن يتحدث الفن عن البيئة، بل عليه أن يعيد التفكير في طرق إنتاجه وعلاقاته ومواده.وهذا الطرح يفتح الباب أمام مراجعة جذرية لممارسات الفنانين والمؤسسات الفنية على حد سواء، بدءًا من المواد المستخدمة، مرورًا بطرق العرض، وصولًا إلى البنية الاقتصادية التي تحكم العالم الفني.ما بعد الإنسان: توسيع دائرة الحساسية من أبرز المفاهيم التي يناقشها الكتاب هو مفهوم العالم الأكثر من إنساني (More-than-human) حيث يتم تجاوز مركزية الإنسان لصالح رؤية أوسع تشمل الكائنات الأخرى: الفن البيئي يعيد توزيع الانتباه من الإنسان إلى شبكة الحياة بأكملها.في هذا السياق، يصبح الفنان وسيطًا بين العوالم: بين الإنسان والحيوان، بين الثقافة والطبيعة، بين المرئي والخفي.الزمن البيئي:الفن كعملية مستمرة لا يتعامل الفن البيئي مع الزمن بوصفه لحظة ثابتة، بل كمسار ممتد يتضمن النمو، التحلل، والتغير. لذلك، تميل هذه الممارسات إلى أشكال مثل: الأداء (Performance)، الفن الأرضي (Land Art)، المشاريع التشاركية طويلة الأمد. تشير راموس إلى أن: العمل الفني البيئي لا يُنجز مرة واحدة، بل يتشكل مع الزمن، كما تتشكل الأنظمة البيئية.الفن والعدالة البيئية:لا ينفصل الفن البيئي عن القضايا السياسية والاجتماعية، بل يرتبط بشكل وثيق بمفاهيم العدالة البيئية، خاصة فيما يتعلق بالسكان الأصليين واستغلال الموارد. وهنا يصبح الفن أداة نقدية تكشف اختلالات السلطة: الممارسات الفنية البيئية تفضح علاقات الهيمنة التي تحكم الأرض ومن يسكنها.نقد المؤسسة الفنية:واحدة من أكثر النقاط جرأة في الكتاب هي نقده للمؤسسات الفنية التي تتبنى خطابًا بيئيًا دون أن تغيّر من ممارساتها الفعلية. إذ تشير راموس إلى التناقض بين: المعارض التي تتناول البيئة، والبنية التحتية المستهلكة للطاقة التي تقوم عليها، وتقول: لا يمكن للمؤسسة أن تدّعي الوعي البيئي دون أن تعيد النظر في بنيتها التشغيلية.قراءة نقدية:رغم أهمية الطرح، لا يخلو الكتاب من بعض الإشكالات، من أبرزها: ميله إلى اللغة الأكاديمية الكثيفة، محدودية تأثير الفن البيئي في السياسات الفعلية، صعوبة تلقي بعض الأعمال التي تفتقر إلى وضوح بصري مباشرومع ذلك، تبقى قوة الكتاب في قدرته على إعادة صياغة السؤال نفسه: ليس ماذا يفعل الفن؟ بل كيف يعيش؟ ختاماً: هل يمكن للفن أن ينقذ العالم؟لا يقدّم كتاب The Artist as Ecologist إجابات جاهزة، بل يفتح أفقًا للتفكير. فهو لا يدّعي أن الفن قادر على إنقاذ العالم، لكنه يؤكد قدرته على إعادة تشكيل وعينا به.وفي زمن تتداخل فيه الأزمات البيئية مع الأزمات الثقافية، يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن للفنان أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد شاهد على الكارثة؟ربما لا يغيّر الفن العالم مباشرة، لكنه كما تقترح راموسقد يغيّر الطريقة التي نعيش بها داخله.#د.عصام عسيري #مجلة ابليت فوتو ارت..


