د.اميرة ناجي تكتب عن تجربة وعوالم الفنان التشكيلي فاضل ضام.

انفجارات المعنى وخرائط الروح في عوالم فاضل ضام

دأميرة ناجي /بغداد

ناقدة وفنانة تشكيلية حين تتشظى الصورة لا تفقد معناها بل تتكاثر احتمالاتها وحين يخرج اللون من طاعته التقليدية يتحول إلى كائن حي يقترح رؤى جديدة للوجود في أعمال الفنان فاضل ضامد لا نقف أمام لوحة بل أمام حقل بصري نابض يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الذاكرة والراهن وبين العلامة ودلالتها هنا لا يعود الفن مجرد تمثيل بل يصبح ممارسة فكرية تتقاطع فيها الفلسفة مع الحس البصري ويتحول السطح التصويري إلى مساحة تأويل مفتوحة تشتغل على استدعاء طبقات خفية من التجربة الإنسانية إن ما يقدمه هذا الفنان يتجاوز حدود التلقي العابر ليؤسس خطابا جماليا قائما على التوتر بين النظام والفوضى وبين الامتلاء والفراغ وبين الأثر والغيابيقول بابلو بيكاسو الفن هو الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقةهذه المقولة لا تشير إلى الخداع بمعناه السطحي بل تحيل إلى قدرة الفن على إعادة تشكيل الواقع بطريقة تجعله أكثر وضوحا من ذاته فالفنان حين يعيد بناء العالم عبر اللون والخط لا ينقل ما هو مرئي بل يكشف ما هو خفي وهذا ما نلمسه بعمق في تجربة فاضل ضامد حيث تتحول الفوضى البصرية إلى نظام داخلي خفي يقود المتلقي نحو فهم أعمق للوجود إن الكذبة هنا هي تحطيم القوالب الجاهزة أما الحقيقة فهي ذلك الإدراك الجديد الذي يتولد من قلب هذا التحطيملوحات الفنان فاضل ضامد تبدو لأول وهلة كأنها عواصف لونية لا تخضع لمنطق محدد غير أن التمعن فيها يكشف عن بنية مركبة تتأسس على التراكم والتجاور والتصادم في آن واحد فالعناصر البصرية لا تأتي اعتباطا بل تنبثق من وعي تشكيلي يدرك جيدا كيف يوازن بين العفوية والضبط وبين الانفعال والتخطيط هذا التوتر يمنح العمل طاقة حيوية تجعله في حالة تشكل دائم وكأن اللوحة لا تكتمل بل تستمر في النمو داخل عين المتلقيإن حضور الإنسان في بعض الأعمال على هيئة ظل أبيض أو هيئة مبسطة يفتح باب التأويل على مصراعيه فهو ليس تمثيلا لشخص بعينه بل رمز للذات الإنسانية في حالتها المجردة كأن الفنان يسعى إلى تجريد الإنسان من ملامحه ليعيده إلى جوهره الأول حيث يصبح علامة بين علامات أخرى داخل نسيج كوني معقديعتمد فاضل ضامد على تقنية التراكم اللوني حيث تتداخل الطبقات فوق بعضها البعض بطريقة تخلق عمقا بصريا كثيفا هذه التقنية لا تقوم على الإخفاء بل على الإظهار التدريجي فكل طبقة تحمل أثرا لما تحتها وتضيف في الوقت ذاته بعدا جديدا إلى السطح التصويري إن استخدام الألوان الصريحة والحادة إلى جانب المساحات المعتمة يمنح اللوحة إيقاعا بصريا متوترا يجعل العين في حركة دائمة بين نقاط الجذب المختلفةكما يوظف الفنان الخطوط الحرة والرموز والعلامات بشكل كثيف بحيث تتحول اللوحة إلى شبكة من الإشارات التي تتقاطع دون أن تفقد استقلاليتها هذا الأسلوب يذكرنا بتقنيات الفن الحديث الذي كسر مركزية الشكل الواحد لصالح تعددية العناصر غير أن خصوصية ضامد تكمن في قدرته على خلق توازن داخلي رغم هذا التشظي الظاهريمن الناحية المادية يمكن ملاحظة حضور ملمس واضح ناتج عن استخدام أدوات متعددة في تطبيق اللون وهذا يمنح السطح طابعا حسيا يضيف بعدا آخر للتجربة البصرية فالمتلقي لا يرى اللوحة فقط بل يكاد يلمسها بعينهتنتمي تجربة فاضل ضامد إلى فضاء التعبيرية التجريدية مع انفتاح واضح على تأثيرات ما بعد الحداثة فهو لا يلتزم بقواعد مدرسة محددة بل يعيد صياغة مفاهيم متعددة ضمن رؤية شخصية متفردة إن ما يميز أسلوبه هو هذا المزج بين العفوية التعبيرية والبنية التركيبية المعقدة حيث تتجاور الأشكال الهندسية مع الخطوط الحرة والرموز الشعبية مع الإشارات المعاصرةهذا التعدد لا يعني التشتت بل يعكس وعيا عميقا بطبيعة الفن كحقل مفتوح على التجريب فالفنان لا يسعى إلى تثبيت أسلوب نهائي بل إلى تطوير لغة بصرية قادرة على استيعاب التحولات المستمرة في الواقع وفي الذات على حد سواءلا يمكن قراءة أعمال فاضل ضامد بمعزل عن السياق الحضاري الذي ينتمي إليه فهناك حضور خفي لذاكرة المكان يتجلى في استخدام الرموز والعلامات التي تستدعي إرثا بصريا عريقا يمتد إلى حضارات وادي الرافدين حيث كانت الكتابة والرسم متداخلين في نظام رمزي واحدإن تكرار العلامات وتوزيعها على سطح اللوحة يذكرنا بالألواح الطينية القديمة حيث كانت الرموز تنقش لتوثيق الحياة والمعرفة غير أن الفنان هنا لا يعيد إنتاج الماضي بل يستحضره كطاقة كامنة داخل الحاضر فيتحول التراث إلى مادة حية يعاد تشكيلها ضمن رؤية معاصرةكما أن استخدام الألوان الترابية إلى جانب الألوان الصارخة يعكس هذا التوتر بين الماضي والحاضر بين الأرض كجذر واللون كامتداد نحو أفق جديد إن هذا التفاعل يمنح العمل بعدا زمنيا يتجاوز اللحظة الراهنة ليشمل تاريخا ممتدا من التجربة الإنسانيةتطرح أعمال فاضل ضامد أسئلة عميقة حول طبيعة الوجود والمعنى فالفوضى الظاهرة في اللوحات ليست سوى انعكاس لتعقيد العالم المعاصر حيث تتداخل الأصوات والصور والمعلومات بشكل غير مسبوق غير أن الفنان لا يستسلم لهذا التشظي بل يحاول تنظيمه ضمن بنية بصرية تمنح المتلقي إمكانية الفهمإن اللوحة هنا تصبح فضاء للتأمل حيث يدعى المتلقي إلى إعادة ترتيب العناصر وفق رؤيته الخاصة وبذلك يتحول من مشاهد سلبي إلى مشارك في إنتاج المعنى هذا التفاعل ينسجم مع الفلسفات المعاصرة التي ترى أن الحقيقة ليست معطى جاهزا بل نتيجة عملية مستمرة من التأويلكما أن حضور الإنسان في وسط هذا الزخم البصري يشير إلى مركزية الذات رغم كل شيء فهو يظل النقطة التي تتقاطع عندها كل هذه الإشارات وكأن الفنان يقول إن الإنسان رغم ضياعه في عالم معقد يظل قادرا على إيجاد معنى لوجوده عبر التأمل والإبداعفي اللوحات المعروضة نلاحظ كثافة لونية عالية تتوزع على كامل السطح دون مركز واضح وهذا يخلق إحساسا بالامتداد اللانهائي حيث لا توجد نقطة بداية أو نهاية بل شبكة من العلاقات البصرية المتداخلة إن هذا التوزيع يعكس رؤية كونية ترى العالم ككل مترابط لا يمكن اختزاله في جزء واحدكما أن استخدام الأشكال الصغيرة المتكررة يمنح العمل إيقاعا يشبه النبض وكأن اللوحة كائن حي يتنفس عبر هذه الوحدات البصرية المتعددة هذا الإيقاع يتعزز من خلال التباين بين الألوان الحارة والباردة مما يخلق حركة داخلية مستمرةفي بعض الأعمال يظهر وجه إنساني أو ملامح جزئية مدمجة داخل هذا النسيج الكثيف مما يعزز فكرة أن الإنسان جزء من هذا الكون المعقد وليس منفصلا عنه إن هذه الملامح لا تقدم هوية محددة بل تشير إلى حالة إنسانية عامة تتجاوز الفرديةتجربة الفنان فاضل ضامد تمثل نموذجا للفن الذي لا يكتفي بالجمال الظاهري بل يسعى إلى إنتاج معرفة بصرية تتقاطع فيها الحواس مع الفكر إن أعماله تفتح أفقا جديدا لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم وتدعونا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا حول النظام والفوضى حول الشكل والمعنىإن ما يقدمه هذا الفنان هو دعوة مستمرة للتأمل وإعادة الاكتشاف حيث تتحول اللوحة إلى رحلة داخل الذات وإلى مرآة تعكس تعقيد الوجود في آن واحد وبهذا المعنى يمكن القول إن فنه لا ينتمي إلى زمن محدد بل يظل مفتوحا على المستقبل حاملا في داخله أثر الماضي ونبض الحاضر في توازن دقيق بين الذاكرة والاحتمال#الفن والنقد التشكيلي# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم