د . أزهر داخل محسن يكتب عن تجربة الفنان منقذ الشريدة ، ثنائيات الابداع وجماليات التشكيل.

تكاملية الجمال والفلسفة
قراءة مقاربة لتخطيطات الفنان منقذ الشريدة

أ . د . أزهر داخل محسن

كلية الفنون الجميلة . جامعة البصرة

    تتواءم المعارف برمتها لتؤسس للحياة مساراً يؤكد حيويتها وديمومتها ، فالعلم والفلسفة والفن والتاريخ والجغرافيا بوصفها منظومات معرفية تسعى لتفسير الوجود والكون . فتكشف عن قوانينهما المضمرة ، فالعالم والفيلسوف والفنان وما تحت منظوماتهم المعرفية والجمالية ، تتآلف معارفهم فيما بينها بعلاقة مركبة تثير العديد من التساؤلات ، ولعل ما أفرزته القرون المتأخرة ( التاسع عشر والعشرين والواحد والعشرين ) من ثورة علمية وفلسفية وجمالية عدت خط شروع لتصورات العلماء بامكانية مزاوجة هذه المرتكزات ( العلم والفلسفة والفن ) معاً في رؤيتها ، فحفزت العلماء والفلاسفة والفنانين للخوض في تتبع المرتكزات معاً من دون النظر للتخصص الدقيق ، فلا نجد عالماً يتخطى الفلسفة والفن ، أو فيلسوفاً بعيداً عن العلوم الصرفة والفن ، يعزز ذلك ، بما لا يستطيع فنان من تخطي العلم والفلسفة في عطائه الفني الجمالي والتقني ، وهي رؤية تكاملية تبناه العالم الفيزياوي الدانماركي ( نيلز هنريك دافيد بور   Niels Henrik David Bohr  1885 _ 1962 م ) الذي عدت رؤيته الفلسفية عميقة في تصورها للوجود ، فهو إلى جانب تفسيره العلمي لظواهر الطبيعة ، طرح استفهاماته الفلسفية لعلاقة الإنسان بما يحيطه ، على إثرها قوضت النظريات العلمية المؤسسة على اليقين المطلق والحتمية في التفسير ، لذا أقر بضرورة إنتاج رؤية فلسفية مغايرة لا مناص من إدراكها ، فالكون والوجود مرجل مليء بالتناقضات والإبهام . وإلى جانب ذلك لم تخل فلسفته العامة من رؤية جمالية ، و ( بور ) لم يكن بدعاً في هذا المجال ، فقد سبقه وتلاه العديد من المفكرين .

 على وفق هذا المفهوم يسعى المبدع أياً كان ، ولعله في المجال الفني يسعى المبدع في بث منجزه الفني والجمالي عبر العديد من المسارات الجمالية والفكرية الفلسفية والعلمية ، فمدارس الفن الأوروبية الحداثية كالإنطباعية والتكعيبية والمستقبلية والتجريدية ، تمحورت جمالياتها التقنية والفكرية على العلم والفلسفة ، فضلاً عن التوجهات الجمالية لما بعد الحداثة والمعاصرة التي تماهت اشتغالاتها الجمالية على العلم والفلسفة كالتعبيرية التجريدية والفن البصري ( أوب آرت ) والفن الرقمي وغيرها .

ولعل الفنان العراقي ( منقذ الشريدة 1946 _ 2014 م ) لا يحيد عن هذا النمط ولو بشكل نسبي ، فمنجزاته النحتية مؤسسة على تقبل القراءة العلمية إلى جانب مبثوثاتها الجمالية والفلسفية ، فالتجريب نسغ العلوم والفلسفة والفن لأنها لا تعتمد المقاسات الحتمية أو المطلقة ، مع تباين نسبي للتجريب في هذه المعطيات ، فالتجريب في الفن يكون في أشد عطاءاته وصولاً للإبداع والأصالة ، من هنا تحمل تخطيطات ( الشريدة ) بصمات التجريب الدائم لاكتشاف عوالم غير منظورة للآخر ، عوالم هي بلا شك تعيش معه يتفاعل معها ونتفاعل معها ، بل أنها تشكل كينونتنا وتحدد وجودنا ، ولكنها مع ( الشريدة ) أخذت مداليلاً ومسارات رؤيوية أخرى تختلف عن رؤيتنا ، لأن ( الشريدة ) يجد فيها ما لم نستطيع نحن ايجاده ( المتلقي العام والخاص ) بدليل أنه اتخذ من تخطيطاته ( سكيجاته ) مساراً مغايراً لما يقدمه أي فنان آخر ، فأسلوبه وتقنيته متحررة من القوالب الجاهزة ، إذ حررتها تقنيته وجزالة خطوطه وحدتها وجرأتها من نمطية التكرار أحياناً وتعبيريتها واختزاليتها وموضوعيتها في أحايين أخرى  ، مع أنها حافظت على سياق يمكن عده أسلوباً وتفرداً سار عليه الفنان بذات القوة التي تنشد هذه الأسلوبية كينونته ، فقد توافقت بنية الخط عنده كعنصر تكويني جمالي فاعل في المنظومة التشكيلية مع البنية الفكرية ، تعززه البنية التقنية في توظيف الخط ومساحته ضمن مساحة السطح التصويري ، ولأن الخط بشكل عام يشكل علامة جمالية وعنصراً بنائياً يبدأ منها الفنان مشروعه الجمالي كمنجز تخطيط أولي أو كأنموذج لتنفيذه في عمل نحتي أو نصبي كبير ، لأن ( الشريدة ) اتخذ من الخط مشروعاً متكاملاً يحفزه لاستثارة جديدة للعمل على إنضاج تخطيطاته ، لتكون فيما بعد منجزات مهيآة لتنفيذها نصباً صغيرة أو كبيرة على حد سواء .

ولعل ( الشريدة ) كنحات ليس هامشياً في الوسط التشكيلي العراقي خلال العقدين السبعيني والثمانيني بالرغم من محدودية ظهوره الإعلامي ، إن لم نقل انعدام ظهوره بالكامل ، ومنه يتعذر تحديد مراحل حياته بشكل يسير ، وإشارة لذلك يمكن توصيف أبرز وأقسى المنعطفات في حياته ما تلقاه بالأسر في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 _ 1988 م )

   ولأن التعبيرية في الفن تستخلص الوجدانيات الإنسانية وتصورها في منجز فني جمالي ، بمعنى أن تماهي المتلقي مع العمل الفني له مردودات إيجابية ، فكانت المدة الزمنية التي قضاها في الأسر وما بعدها عدت محفزات ضاغطة أدت فعلها الوجداني ، ليشعر المتلقي وهو يستقبل تخطيطات ( الشريدة ) أن موضوعتها تتحدث عنه ( مشكلته ) ومع أن التخطيطات تتحرك بانسيابية ، فهي في ذات الوقت تتسم بحدة وعنفوان سلوكي ، وبالرغم من تمسكه بالمسار الأكاديمي في معظم تخطيطاته ، إلا إنه في بعض التخطيطات وبرؤية قد عدت أسلوباً له جنوحه للتعبيرية وللسريالية نوعما ، بفعل ما آلمته الأحزان العميقة طيلة مراحل حياته ، إذ أنه وبحكم معرفتنا بمن عاصره لم يكن مترفاً ما قبل الأسر وما بعد هروبه منه ، لذا كانت اشتغالاته علاجاً ومتنفساً يلجأ إليه على الدوام ، لذا كانت سطوحه البصرية محتشدة بأشكاله المتنوعة والتي تمثل عنده إشكالية في التعامل معها ( الصليب والهلال ، المرأة والرجل ، السيف والبندقية ، العزلة في الغرف المغلقة ) فيتعاطى معها المتلقي بحميمية ووجدانية طافحة .

لا شك أن هذا يعد نتاج مثابات ومناطق إنكسار ألمت بالفنان ، فلا يرى المتلقي سوى نتاج منكسر ومحبط مؤداه فنان أسس لنفسه ملاذاً يخفف من آلامه وعذاباته ، ليتحفنا ( الشريدة ) بروائع توازي ما تعرض له عدد من فناني العالم من انكسارات حياتية وسلوكيات معقدة ، ولعل مثالنا الأهم في التشكيل العالمي الفنان الهولندي ( فنسنت فان كوخ 1853 _ 1890 م ) والفنان الفرنسي ( إدغار ديكا 1834 _ 1917 م ) وغيرهم .

  وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تخطيطات ( الشريدة ) المرافقة للقصائد الشعرية ليست سوى معادلاً موضوعياً للكلمة ، ولم تكن دخيلة أو معنية بتفسير البيت الشعري ، فالكلمة الشعرية المكتوبة من قبل الفنان تأتي مكملة للبناء الجمالي والفكري وليس العكس ، وأجزم أن الشعراء يعون هذه المنطقة الحساسة في مرافقة تخطيطاته ورسومه لقصائدهم ، بمعنى أن التخطيطات وقعت ضمن سياق القصيدة الشعرية بتماه فكري وجمالي ، ومع أن الرسم يأتي كمرحلة متأخرة للقصائد الشعرية ، إلا أن حرفنة الفنان تعد استفزازاً مضافاً لما يقدمه الشاعر ، فالشاعر الذي يكتب لا تأتي قصيدته توصيفاً للرسم ، فيحضر فعل الاستفزاز في التخطيط بشكل أشد ، لذا تتضاءل أو تنعدم عدد القصائد التي تلي اللوحات فترافقها ، بينما نجد العديد من الرسامين يقرنون القصائد الشعرية برسومهم بطلب من الشاعر نفسه أو برغبة الرسام ، وأجد لا مناص من ذكر زميله في الأسر الشاعر والإعلامي ( محمد السيد محسن ) الذي زودني بالعديد من تخطيطات ( الشريدة ) المرافقة لقصائده الشعرية ، فضلاً عن شقيقه السيد ( عصام الشريدة ) الذي أتحفني بعشرات التخطيطات وكل ما يتعلق بالفنان .       

و ( الشريدة ) لا ريب انبرى بتصوير كل ما يحيطه على وفق رؤاه وتقنيته وعقيدته الجمالية ضمن مجتمعات متباينة بشكل كبير أفنى حياته فيها ( العراق والبصرة ، مجتمع العسكرية والحرب في جبهات القتال مع إيران ، مجتمع أقفاص الأسر في إيران ، كردستان بعد الفرار من الأسر ، أوروبا ) فيرى ما يحيطه بعين باصرة لا تقارب العيون الأخرى أو بالأحرى العيون الأخرى لا تقارب رؤيته ، لأن عين ( الشريدة ) حاذقة في إلتقطات تغيب عن الآخرين ، كما لا يمكن تجاوز الفنان ومتعلقاته على المستوى النفسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي الذي شكل علامة فارقة في منجزه بفعل تباين المجتمعات التي تواجد فيها طوعاً وقسراً ، ليطرح على وفق ذلك منجزه بالرغم من تقشفية المادة المستخدمة في التخطيط ، التي تأطرت بحساسية مفرطة ، فالتخطيط بشكل عام لا يتطلب جهداً ولا مواداً تعجيزية ، ولعل خطوط النحات لا ريب تختلف عن خطوط الرسام ، فتخطيطات ( الشريدة ) تنماز بعديد من المؤشرات ، ومع أنها تخطيطات يسيرة الفهم والقراءة حال مشاهدتها للوهلة الأولى ، بالنسبة للقارئ العام أو الخاص ، ولكن القارئ الخاص بتفحصه العميق لها ، لا شك يغوص في مغارات من الوعي المفرط التي تكتنف كل ثيمة من تلك التخطيطات ، فمكنة ( الشريدة ) وتقنيته التخطيطية كفيلة بأن تسحر المتلقي كنظرة جمالية أولى ، ولكنها تزيد من عمق الفكرة والمفهوم وبشكل متسارع حيال القراءة الناضجة المضمرة ما بين الخطوط ، فالفنان يمتلك وعياً مركباً ، يتمثل بقيمة التخطيط الجمالية والتكوينية ، وكذلك ما يبث من وعي قد لا يظهر عليه بالمطلق ، لا سيما أن ( الشريد ة ) لم يسع لأن يروج لفنه كما يفعل الآخرون ، وربما هذ أحد مسببات توصيفه كفنان مغمور ، مع أنه يعد من التشكيليين العراقيين الكبار بشهادة كبار الفنانين المجايلين له ، فضلاً عن ذلك الجانب النفسي والإجتماعي الذي يؤطر الفنان ، فهو جانب ليس طبيعياً ، لأن سلوكه خاص وكينونته خاصة ، وفلسفته خاصة .

  ففي مقالات ودراسات قدمتها حول التشكيل العراقي ، ذكرت أكثر من مرة وبإسهاب وعمق أن التشكيل العراقي المعاصر يرتكز إلى مرجعيات أربعة ، فيندر أن تجد منجزاً تشكيلياً عراقياً معاصراً لم يستلهم هذه المرجعيات كمؤسسات ضاغطة بقسرية على المنجز ، فالموروث الحضاري العراقي القديم والموروث الإسلامي والموروث الشعبي المحلي والتوجهات الجمالية الأوروبية ، كلها ضواغط على التشكيل العراقي برمته ، ولعل ( الشريدة ) كان أحد هذه المصاديق ، فجذوره الفكرية البكر وقراءاته الأولية ومشاهداته للمنجز التشكيلي العراقي كان عاملاً إيجابياً بتصوير ما قدمه لهذه المرجعيات التي سعى لتوظيفها ، كما عدت دراسته لفن النحت في إيطاليا فاعلاً في عمله الفني ولا سيما تخطيطاته لأن تتمظهر الرؤية الجمالية الأوروبية فيها ، مقرونة بما هو محلي كموروث تعايش مع الفنان منذ طفولته وصباه ، إذ تعد مدينة الطفولة والصبا ( مدينة أبي الخصيب جنوب محافظة البصرة ) من المناطق الزراعية المليئة بأجود أنواع النخيل فضلاً عن المنتوجات الأخرى ، لما تحمله من أرض خصبة ومياه عذبة بوصفها تطل على شط العرب مباشرة وتتخللها أنهار ونهيرات لا تحصى ، فأكسبته الهدوء والإنزواء بعيداً ليتعايش مع منجزه لوحده ، ولعلها مدينة قل نظيرها في العالم ، فهي المدينة الثقافية بشكل كبير ، يكفيها فخراً أنها أنجبت الشاعرين الكبيرين ( بدر شاكر السياب 1926 _ 1964 م ، ومحمود البريكان 1931 _ 2002 م وآخرون ) لذا تضمنت تخطيطات ( الشريدة ) نسغ الموروث الشعبي المحلي بمزاوجة عقلانية مع تحصل عليه من دراسته في أوروبا ، وهي مزاوجة عدت سياقاً تخلل المشهد التشكيلي العراقي ، وعدت سمة إبداعية فاقت المشهد التشكيلي العربي ليصل التشكيل العراقي إلى مساحة العالمية التشكيلية .

 كما تحيلك تخطيطاته في اللحظة الأولى للمنحوتات والنصب الكبيرة للنحات العراقي الراحل ( محمد غني حكمت 1929 _ 2011 م ) لا سيما ( شهرزاد و شهريار ، و كهرمانة والأربعين حرامي وغيرها ) إذ كان ( الشريدة ) الذراع التنفيذي الأهم لـلعديد من أعمال ونصب ( محمد غني ) بفعل حالة التفاهم والثقة والقناعة بمكنة كليهما الإبداعية ( الشريدة وأستاذه ) .    

 وبالمجمل اكتنزت تجاربه بالعديد من الاستعارات العلامية كرموز وأيقونات وإشارات ضمن مساحات جمعها بين ما هو تشخيصي بأشكال سادت السطح التصويري وبين مرموزات متداولة أو غير متداولة في الوسط المجتمعي ، فشكلت المرأة السيادة الشكلية الأكثر تواجداً ضمن منظومات متعددة ، فتخطيطاته للمرأة تباينت مع الوسط الذي وجد فيه الفنان ، فقد كانت نسائه عاريات بالكامل عندما كان في أوروبا ، إنمازت بحيوية وجرأة وانسيابية تبث حميمية طافحة بالوجدان ، على خلاف تخطيطاته للمرأة في مراحل حياته السابقة ، لا سيما عندما كان في أقفاص الأسر في إيران ، لما تحمله هذه الرقعة الجغرافية من عقائدية دينية تمنعه من الخوض في هكذا موضوعة لينتج منها ما يبتغي ، أي أنه بالرغم من الضغوطات التي وقعت عليه ، إلا أنه كان واعياً لما ينتج ضمن المساحة الجغرافية التي يتواجد فيها ، ومع ذلك كانت تخطيطاته تكشف عن حرية ذاتية لا شك تبث جمالاً يعنيه ( الشريدة ) .

وما يحسب للفنان أن فلسفته الجمالية والحياتية في منجزه لم تكن عسيرة على الفهم والتلقي البسيط ، وأن المباشرة التي تؤطر تخطيطاته لم تستوجب تلقياً ساذجاً ، بل هو تلق عميق الرؤية قابل للتأويل والقراءة المغايرة بدلالات مركزية كمعنى عام ودلالات هامشية بوصفها ظلالاً للمعنى .

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم