في ظلمات الأعماق الباردة، بين فيوردات السويد الهادئة وقاع المحيط الذي يسحـ*قه الضغط، يظهر كائن بحري غريب يكاد يتحدّى مفهوم الحياة المعقّدة نفسه. اسمه زينوتوربيلا، مخلوق بسيط يشبه الدودة، لكنه يحمل لغزًا حيّر العلماء منذ أكثر من مئة عام، منذ لحظة اكتشافه الأولى عام 1915.
هذا الكائن يُعد مثالًا صارخًا على “البساطة القصوى” في عالم الأحياء؛ فلا دماغ لديه، ولا عيون، ولا قلب، ولا جهاز دوري، ولا كُلى، ولا حتى جهاز هضمي كامل. جسده لا يحتوي سوى فتحة واحدة تقوم بدور الفم والمخرج معًا. ورغم هذا التجريد المذهل من الأعضاء، فإنه يعيش ويتغذى ويتكاثر في بيئة من أقـسى بيئات الأرض.
لسنوات طويلة، ظل السؤال مطروحًا بإلحاح: ما حقيقة زينوتوربيلا؟ بل إن العلماء وقعوا في خطأ محرج حين أشارت تحاليل الحمض النووي في البداية إلى أنه كائن قريب من الرخويات، قبل أن يتضح لاحقًا أنهم قاموا بتحليل الحمض النووي لبقايا المحار الذي كان قد ابتلـ*عه هذا الكائن، لا حمضه النووي هو نفسه. وبعد تصحيح هذا الالتباس، انفتح باب جدل جديد لم يُغلق حتى اليوم.
فهل زينوتوربيلا كائن بدائي نجا من فجر تطور الحيوانات دون أن يطوّر أعضاء معقّدة؟ أم أنه سليل كائنات أكثر تطورًا تخلّى عن تلك الأعضاء ليتمكن من البقاء في أعماق البحار القا*سية؟ لهذا السبب، يصفه العلماء بأنه “دودة المفارقة”، وكأنها شبح حي من البدايات الأولى للحياة الحيوانية، لا يزال يسبح بهدوء، حاملاً سرًا لم يُفك بعد.


