المدرسة النورية الكبرى: درة مدارس الشام وضريح المجاهد نور الدين الزنكي
مقدمة: نداء الحجر والتراث
إخوتي القراء الأعزاء،
تعالوا بنا في هذه الجولة الأدبية التاريخية نمضي مستكشفين عابرين أزقة دمشق القديمة، حيث تتعانق الحجارة مع التاريخ، ويسكن المجد في كل زاوية. ها نحذو حذو الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي طاف الدنيا ووصف عجائبها، فنقف اليوم أمام معلم علمي ديني يعود لزمن قد مضى، لكنه ينادينا بصوت خافت يمتزج بعطر الماضي وعبق البطولات، يدعونا للوقوف عنده بقلوب متعظة وعقول باحثة .
نسير من سوق الحميدية القديم، حيث تزحمنا الحكايات، ثم ننعطف باتجاه سوق ضيق من الأسواق الفرعية يدعى سوق الخياطين، هناك حيث تختفي صخب الأسواق الكبرى ليحل محلها سكون التاريخ وجلال العلم . نقف وفجأة تتصدى لنا واجهة حجرية تحمل فوق بابها الخشبي الضخم لوحة تعريفية تقول: “المدرسة النورية الكبرى” . هنا حيث ينام المجاهد الكبير ويصحو العلم كل صباح.
الموقع والتاريخ: حين كانت داراً للخلفاء
يخبرنا المؤرخون أن هذه البقعة المباركة لم تكن مجرد مدرسة عابرة، بل كانت فيما مضى داراً للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، ثم سكنها من بعده الخليفة هشام بن عبد الملك . تخيلوا أيها السادة: أرض وطئتها أقدام الخلفاء، صارت منارة للعلم ومرقَداً لملوك المجاهدين.
في سنة 563 هـ / 1167 م، أو كما يرجح بعض المؤرخين سنة 567 هـ / 1172 م، أشرف الملك العادل الزاهد نور الدين محمود بن زنكي على بناء هذه المدرسة، ووقفها لتكون منارة للفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان . ويعدها المؤرخون أول مدرسة رسمية بنيت في دمشق .
ويروى في سبب بنائها حكاية عجيبة: فقد وقع في أسر نور الدين ملك من ملوك الفرنج، فأشار الأمراء ببقائه في الأسر خوفاً من شره، لكن نور الدين قبل فداءه بمال عظيم. وعندما وصل الملك الأسير إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال نور الدين كلمته الخالدة: “ما تستحقون منه شيئاً لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنتين: الفداء وموت اللعين وخلاص المسلمين منه”، فبنى بذلك المال المارستان والمدرسة ودار الحديث .
وصف معماري: قصر من القصور الأنيقة
دعونا ندخل سوياً من البوابة الخشبية الضخمة ذات المصراعين، ولنقف قليلاً عند العتبة الحجرية الكبيرة التي تعلو الباب. هنا، أيها الزائر الدمشقي، يبدأ الحجر بالكلام .
