داروين لم يقل “الإنسان جاء من القرد”أبدً.

قبل 150 سنة، لم يكن هناك DNA…ولا مجاهر فائقة…ولا علوم وراثة…ومع ذلك، جاء رجل واحد بفكرة زلزلت البشرية لدرجة أن العالم انقسم حولها نصفين، ولا يزال الجدل مستمرًا إلى اليوم.هذا الرجل هو داروين…لكن المفاجأة؟ما قاله داروين مختلف تمامًا عمّا يعتقده أغلب الناس.⸻الصدمة الأولى: داروين لم يقل “الإنسان جاء من القرد”أبدًا.هذه جملة لم ينطق بها في حياته.ما قاله كان أخطر بكثير:الإنسان والقرد يشتركان في سلفٍ مشترك… قبل ملايين السنين.يعني كلانا فرعينمن شجرة قديمة جدًا…لكن كل فرع مشى في طريق مختلف.⸻الصدمة الثانية: الطبيعة ليست فوضى… بل لديها قانون صارمداروين لاحظ شيئًا بسيطًا جدًا،لكن نتائجه كانت عميقة:كل كائن يولد مختلفًا قليلًا عن الآخر:من هو أسرع…من هو أقوى…من يتحمّل الحرّ…ومن يرى أفضل في الليل…ومع أن هذه الاختلافات تبدو صغيرة،لكن الطبيعة تختار منها ما ينفع.تسميها اليوم الانتقاء الطبيعي.⸻فكر فيها بهذه الطريقة:لو كان هناك 1000 غزالوظهور 3 منهم أسرع قليلًا،فهؤلاء الثلاثة هم الذين يهربون من الأسدويعيشون ليتكاثروا.أبناؤهم يرثون السرعة.والأجيال التي تأتي بعدهم تصبح أسرع… وأسرع…حتى يصبح “الغزال السريع”هو الشكل الطبيعي الذي نعرفه اليوم.وهكذا مع كل شيء:المنقار، الأجنحة، العيون، اللون، الحجم…الحياة كلها تتغيّر لأن الطبيعة تختار… بدون أن نشعر.⸻الصدمة الثالثة: داروين لم يكن يعرف عن الجينات شيئًا!لم يكن يعرف ما هو الـDNA أصلًا.لكن بعد موته بعشرات السنين،جاء العلم الحديث ليقول:نعم… ما قاله داروين يحدث بالضبط داخل الخلايا.الطفرات، الجينات، الوراثة…كلها أكدت أن الحياة فعلاًتتحرك وتتشكل وتتطور ببطء…ولكن بثبات.⸻الأمر الذي يجعل الناس غير مرتاحين…نظرية التطور لا تهزّ فقط العلم،بل تهزّ الأنا.لأنها تسأل سؤالًا مزعجًا:هل نحن نتيجة مسار طويل من التجارب والتعديلات؟أم كنا دائمًا كما نحن الآن؟هذا السؤال وحدهيجعل الكثير يعيد التفكير في معنى “الحياة”.⸻الصدمة الرابعة: التطور لم يتوقف.هو يحدث الآن… في هذه اللحظة.داخل أجسادنا.في صراعاتنا مع الأمراض.في تكيفنا مع التكنولوجيا والبيئة.لكن… هل التطور شيء حدث في الماضي فقط؟الجواب: لا.هناك جزيرة صغيرة أثبتت أن الإنسان… ما زال يتطور.**في جنوب شرق آسيا،توجد مجموعة بشرية اسمها الباجاو —يُعرفون عالميًا بـ “بدو البحر”.هؤلاء الناس لا يعيشون على اليابسة،بل حياتهم كلّها في الماء:يصطادون في الماء،ينامون فوق قوارب،أطفالهم يتعلمون السباحة قبل المشي.لكن الصدمة ليست هنا…الباجاو يستطيعون البقاء تحت الماء لمدة تتجاوز 13–15 دقيقة!بدون أكسجين.بدون معدات غوص.فقط أجسامهم.كيف هذا؟هل هو تدريب؟أم قوة خارقة؟لا…الجواب أخطر من ذلك.⸻العلم وجد أن أجسامهم فعليًا… تغيّرت.عندما درس العلماء أجساد الباجاو، اكتشفوا شيئًا مدهشًا:1) الطحال عندهم أكبر بـ 50% من باقي البشرالطحال هو “خزان الدم” في الجسم.عندما تغوص في الماء، يضغط الطحال ويضخ دمًا غنيًا بالأكسجين إلى الدماغ.كلما كبر الطحال → زادت مدة قدرتك على البقاء تحت الماء.والمفاجأة؟حجم طحال الباجاو أكبر وراثيًا، وليس فقط بسبب التدريب.⸻2) لديهم جينات مختلفة تمامًا عن باقي البشروجد العلماء طفرة في جين اسمه PDE10A،وهو مسؤول عن التحكم في حجم الطحال.بمعنى آخر:الطبيعة اختارت الباجاو الذين يستطيعون الغوص أطول…ليعيشوا أكثر…فيتزوجوا أكثر…فينقلوا جيناتهم لأولادهم.هذا هو الانتقاء الطبيعي يحدث أمام عيوننا… اليوم.ليس قبل ملايين السنين…بل في عصر الـ Wi-Fi والهواتف.⸻3) عيونهم أيضًا تكيفت مع الماءالأطفال من هذه القبيلة يستطيعون رؤية تحت الماءبدقة أعلى من أي طفل آخر في العالم.أجسامهم تعوّدت على الماء لدرجةأنهم حرفيًا “نوع فرعي متكيف” ضمن البشر.⸻ما الذي يخبرنا به كل هذا؟أن الإنسان… ليس ثابتًا.لسنا نسخة نهائية.نحن نتغير، نتكيّف، نتطور.واكتشاف الباجاو يطرح سؤالًا مرعبًا:إذا استطاعت مجموعة بشرية واحدة أن تتطور بسرعة خلال قرون قليلة…فكيف سيبدو الإنسان بعد 1000 سنة؟أو بعد 10 آلاف سنة؟هل سنطوّر قدرات جديدة؟هل ستنشأ “أنواع بشرية” متكيفة مع تقنيات جديدة؟مع أمراض جديدة؟مع بيئات جديدة؟السؤال مفتوح.

ـ هل تعلم

المثقفون السوريون

ـمجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم