#حمص التاريخ
#حي_الأربعين… الحي الشهيد
أربعون سنة، والحي ما زال حاضرًا.
كلما شفت صور حي الأربعين القديمة، بيخطر ببالي سؤال بسيط:
كيف ممكن حي كامل يختفي… ويبقى اسمه؟
اللي بيعرف الأربعين قبل الهدم، بيعرف إن الحكاية ما كانت مجرد بيوت انشالت وانبنت مكانها أبنية جديدة.
كان حيًا حقيقيًا.
بيوت متقاربة، حارات صغيرة، ناس يعرفوا بعضهم، وأبواب وشبابيك تطل على بعضها. كانت القهوة تفوح من البيوت، والأولاد يلعبوا بالزقاق، وصوت الناس يملأ المكان.
وكان جامع الأربعين جزءًا أساسيًا من المشهد.
برجه، والجامع، والسور، والساحة اللي كانت تفصل الحي عن السرايا… كلها كانت مرتبطة ببعضها، وتعطي المكان شكله وروحه.
اليوم لما نشوف هالمشهد، ممكن نعتبره مجرد صورة قديمة.
بس بالنسبة لأهل الأربعين، الصورة فيها بيوت وأسماء وذكريات.
عام 1974 بدأ هدم أجزاء من الحي لبناء المجمع الحكومي الأول.
ومن هون بدأت الحكاية تتغير.
البيت اللي كان بالنسبة لصاحبه عمرًا كاملًا، صار على المخطط قطعة أرض.
والحارة اللي كان أهلها يعرفوا بعضهم فيها، صارت مساحة جديدة لمشروع أكبر.
وبعدها توالت التغييرات.
أقيم المجمع الثاني، وظهر في المنطقة فرع للمصرف المركزي، وتبدلت ملكيات واستعمالات أجزاء من الأرض، ودخل بعضها في استثمارات مختلفة.
وما بدي هون أحكي عن كل تفصيل وكأنه محسوم إذا ما كانت الوثائق أمامنا.
لكن في سؤال أساسي بيظل موجود:
شو صار بالحي نفسه؟
لأنك لما تشيل البيوت واحدًا وراء الثاني، ما عم تشيل حجارة فقط.
أنت عم تشيل علاقة كاملة بين الناس والمكان.
وهذا الشيء نحن كمعماريين لازم ننتبه له.
المدينة مو بس أبنية جديدة وشوارع أعرض.
أحيانًا قيمة المكان تكون بطريقة تشكل الحارة، وبعلاقة البيت بالشارع، وبالساحة، وبالجامع، وبالجيران.
وهذا بالضبط اللي كان موجودًا في الأربعين.
حتى اليوم، بقيت بعض العناصر تذكّرنا بالمشهد القديم.
برج جامع الأربعين ما زال موجودًا.
والجامع موجود.
والسور موجود.
والساحة التي كانت تفصل الحي عن السرايا ما زالت تعطينا فكرة عن شكل المكان وعلاقاته.
لذلك وأنا أشوف الفيديو، ما عم أشوف برجًا وجامعًا وسورًا فقط.
عم حاول أتخيل الحي اللي كان حولهم.
الناس اللي كانوا يطلعوا من بيوتهم.
الأطفال اللي كانوا يلعبوا بالشارع.
الجار اللي يعرف جاره.
والحياة اليومية اللي ما بتبين بالمخططات ولا بالصور الرسمية.
وفي تفصيل آخر دائمًا بيشدني في قصة الأربعين:
بناء كسيبي.
بقي قائمًا، بينما تغيّر العمران من حوله، وبعد الهدم أصبح على أربع شوارع.
أنا ما عندي جواب نهائي عن كل الأسباب والقرارات المتعلقة فيه، ولهذا ما بدي أفترض.
لكن من حق أي شخص يهتم بتاريخ حمص أن يسأل:
لماذا بقي هذا المبنى بينما اختفى ما حوله؟
وكيف اتخذت قرارات الهدم وإعادة تشكيل المنطقة؟
هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على التطوير بحد ذاته.
هي أسئلة عن كيف نطوّر المدينة من دون أن نفقد ذاكرتها.
لأن التطوير شيء، ومحو المكان شيء آخر.
وأعتقد أن الفرق بين الاثنين مهم جدًا.
اليوم يمكننا أن نبني أبنية أجمل وأحدث وأعلى.
لكن ما فينا نبني من جديد نفس الجيرة، ونفس الحارة، ونفس الحياة التي كانت موجودة هناك.
وهذا هو الشيء الذي يصعب تعويضه.
أما الصور المتكررة قليلًا في الفيديو، فأنا متعمد ما أعتبرها مشكلة.
لأن بعض الصور تستحق أن نتوقف عندها أكثر من مرة.
خصوصًا إذا كانت لشيء لم يعد موجودًا.
وأهل الأربعين، برأيي، ما كانوا بحاجة إلى أبنية فخمة حتى يعرفوا كيف يعيشوا.
كانوا يعرفوا يعمروا بيوتهم وحاراتهم وحياتهم.
يعرفوا قيمة الجار، وقيمة الشارع، وقيمة الجامع، وقيمة الساحة.
وهذا النوع من العمران ما بتصنعه الأموال وحدها.
المدينة يصنعها الناس.
ولهذا بقي اسم الأربعين.
قد تتغير الأبنية، وتتغير الشوارع، وتتغير الملكيات والاستعمالات…
لكن عندما يسأل أحدهم عن المكان، سيظل الجواب:
هون كان حي الأربعين.
وهذا بحد ذاته شيء كبير.
لأن الحي الذي يختفي من الأرض، لكنه يبقى في ذاكرة أهله، ما بيكون اختفى بالكامل. #منقول
#حمص_الأسطورة
#y_z_r #مجلة ليليت فوتو ارت


