كتب… أحمد رشدي
في ممرات المؤسسات وغرف الاجتماعات وأروقة الشركات، لا تدور فقط أحاديث عن الأهداف والمشروعات والمكاسب، بل تتسلل أحيانًا همسات خفية من مشاعر مظلمة تُعرف بالكراهية والتعصب والغيرة، فتتحول بيئة العمل التي يُفترض أن تكون ساحة للإبداع والتعاون إلى ساحة صراع خفي تُستنزف فيها الطاقات وتُشوَّه فيها القيم.
الكراهية في العمل ليست مجرد شعور عابر، بل مرض نفسي ينهش روح الفريق من الداخل. تبدأ بشرارة خلاف بسيط، ثم تتحول إلى نيران عداوة تشتعل في الصدور. فيغدو الموظف لا يرى في زميله إلا خصمًا، ولا في نجاحه إلا تهديدًا. يقول أحد خبراء السلوك التنظيمي بجامعة القاهرة: “الكراهية في بيئة العمل تقتل الإبداع كما يقتل الصدأ الحديد، إذ تجعل الإنسان يعيش في دائرة من السلبية والتوتر تمنعه من العطاء.” وهنا تكمن المأساة، حين يصبح العمل عبئًا نفسيًا بدل أن يكون وسيلة بناء وتطور.
أما التعصب، فهو الوجه الآخر للظلم المهني، إذ يدفع البعض إلى التحيّز لانتماءات أو آراء أو مصالح ضيقة، فيُقصى المبدع لأنه مختلف، ويُكافأ المتملق لأنه تابع. وهذا السلوك لا يفسد فقط العلاقات بين الأفراد، بل يهدم العدالة المؤسسية التي تقوم عليها أي بيئة عمل ناجحة. وفي هذا المعنى، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، فالتنوع والتكامل سنة من سنن الله في خلقه، لا سببٌ للتمييز أو الاستعلاء. وما أحوج بيئات العمل اليوم إلى تطبيق هذا المبدأ القرآني في إدارتها، حتى تُبنى على الكفاءة لا على الهوى، وعلى الاستحقاق لا على العلاقات.
أما الغيرة، فهي سيف ذو حدين؛ قد تكون دافعًا نحو التميز إن حملت روح التنافس الشريف، لكنها تتحول إلى سُمٍّ قاتل إن تجاوزت حدودها فصارت حسدًا وعداءً. إنها النار التي تشتعل في القلب فتُظلم البصيرة وتُضعف الضمير. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”، فكيف إذا كان هذا الحسد داخل مؤسسة يفترض أن تبنى على التعاون؟ إن الموظف الغيور لا يفرح بنجاح زميله، بل يسعى خفية إلى إسقاطه أو تشويه صورته، فينقلب العمل من منظومة تكامل إلى ساحة تصفية حسابات.
ويرى الخبير النفسي الدكتور هشام فؤاد أن علاج الغيرة المهنية يبدأ من داخل الإنسان قبل أن يكون من خارج المؤسسة. فالثقة بالنفس والرضا عن الذات هما السلاح الأقوى في مواجهة هذه المشاعر الهدامة. أما على المستوى الإداري، فيوصي بضرورة تبني ثقافة الاعتراف بالجهود، وتكافؤ الفرص، وإقامة العدالة في التقييم والمكافآت، لأن العدالة هي الأرض الخصبة التي تنمو فيها روح الفريق، بينما الظلم يولّد الغيرة والكراهية ويغذي التعصب.
ولعل العلاج الجوهري لهذه الظواهر الثلاثة يكمن في إحياء الضمير المهني والوازع الديني داخل نفوس العاملين. فإذا استشعر الإنسان أن عمله عبادة وأن الله مطلع على نيته، استقام سلوكه وتطهّرت سريرته. فالعمل في الإسلام ليس مجرد وسيلة للكسب، بل ميدان للصدق والإخلاص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. والإتقان لا يولد من قلب يملؤه الحقد، بل من نفس راضية متصالحة، ترى في نجاح الآخرين امتدادًا لنجاحها، لا خصمًا له.
إن المؤسسات التي تسعى إلى بيئة عمل مزدهرة مطالبة بأن تجعل من الأخلاق والتسامح والتنوع ركائز ثابتة في سياساتها، وأن تدرب موظفيها على فنون التواصل الإيجابي وإدارة الخلاف. كما يجب أن تتحمل الإدارات مسؤولية مراقبة الجو العام والتدخل الحكيم عند ظهور أي بوادر للعداء أو الغيرة أو التفرقة، لأن الوقاية في هذه الحالة لا تقل أهمية عن العلاج.
في النهاية، يظل العمل ساحةً لاختبار الإنسانية قبل الكفاءة، وميدانًا تظهر فيه معادن الناس على حقيقتها. فإما أن يكون الإنسان عامل بناء يسهم في رفعة مؤسسته، أو أن يكون معول هدم تحركه الغيرة والتعصب والكراهية. وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من ضاق صدره بالحسد، لم يرح قلبه أبدًا”. فلنوسع صدورنا إذن بالتسامح، ولنجعل من أماكن عملنا بساتين للعطاء، لا ساحات للخصام.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


