حين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨م-أولاد حارتنا .كيف نقرأها؟ .الحلقة الثانية.

أولاد حارتنا | كيف نقرأها؟ | الحلقة الثانية

حين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨، عاد الجدل القديم حول أولاد حارتنا إلى الواجهة من جديد. وانتشرت وقتها فكرة تتكرر حتى اليوم: أن محفوظ فاز بالجائزة بسبب هذه الرواية تحديداً.

لكن الحقيقة غير ذلك.

في تقرير لجنة نوبل، ذُكرت أولاد حارتنا ضمن الأعمال التي أشار إليها التقرير — لكنها جاءت أخيرة، لا أولى. وحين سُئل محفوظ في لقاء تلفزيوني مسجل عن الكلام الشائع، أجاب بهدوء كعادته:

“هم بيتكلموا أولاً على الأديب وإنجازه اللغوي في أدبه، ده أساساً اللي بيلفت نظرهم، وينوهوا ببعض الأعمال، فكان التنويه بالثلاثية وثرثرة فوق النيل ودنيا الله، وأخيراً أولاد حارتنا. وحتى فيها قالوا إنها بتدل على بحث الإنسان الدائم للقيم الروحية.”

الرواية إذن لم تكن سببا وحيدا الجائزة — كانت آخر ما ذكره التقرير في رحلة أدبية كاملة. وما لفت اللجنة فيها تحديداً لم يكن الجدل الذي أثارته، بل شيء أعمق: أنها تعكس بحث الإنسان الدائم عن القيم الروحية.

غير أن القضية الحقيقية لم تكن الجائزة أصلاً، بل طريقة قراءة الرواية نفسها.

في نفس الحوار التلفزيوني، سُئل محفوظ عن تفسيره للهجوم الذي تعرضت له الرواية منذ صدورها. فأجاب:

“الأدب الرمزي.. ده عايز طريقة للقراية. فيه رمز وفيه شيء بيُرمز إليه.. وإنت بتقرا في الرمز، اعتبره هو الرمز مش المرموز، وإلا هتخلط الاتنين ويبقى راح العمل.

كليلة ودمنة كمثال، ده عالم حيوان، إنما المؤلف قصد إنه يعكس بيه العالم الواقعي في زمن السلطان والوزراء، فعمل بدائل لهم في الأسد والثعلب وغيرهم.. الثعلب يصح يكون بيمثل دور الوزير، بيمثله في إيه؟ في حكمته أو دهائه مثلاً.. إنما يجب يحافظ على عالمه الحيواني، يبقى ما عدا ذلك هو حيوان، وإلا الحكاية تفقد واقعيتها وإقناعها للقارئ.

فما يصحش الواحد يقوله: إزاي تخلي معالي الوزير ينبش في الزبالة؟ لا، ده اللي بينبش الثعلب مش الوزير! فهمت قصدي؟

فهو الغلط كده، إنهم جُم للرمز واعتبروه هو المرموز، فانهدم العمل من أوله لآخره.. ده خطأ في القراءة. لذا، فالرواية يجب إنك تفصلها وشوفها كحارة.. واسأل نفسك: الناس اللي إنت بتعتقد إنهم بيعادلوا سيرة الأنبياء، باينين إيه عموماً؟ هتلاقيهم أبطال، وفي سبيل الخير كلهم كده، وكل واحد عمل ثورة عشان تحقيق الخير.. فلا يمكن يبقى اللي بيُرمز إليه يكون الواحد بيستهين بيه.. واخد بالك من الفكرة؟”

وهي ملاحظة لا يمكن تجاهلها حين ننظر إلى طبيعة الشخصيات داخل الرواية نفسها. فالشخصيات التي يرى فيها كثيرون صورًا للأنبياء جاءت أبطالاً رئيسيين في تاريخ الحارة كله — ارتبط وجود كل واحد منهم بتحقيق وصايا الجبلاوي، والسعي نحو حياة من عدل ومساواة، وخير الوقف الذي أراده الجد لجميع أبنائه. لذا فاتهام الرواية بالاستهانة بمن ترمز إليهم قراءة لا تصمد أمام النص نفسه.

ومن هنا يمكن الاقتراب من الرواية بطريقة مختلفة.

تبدأ الرواية بافتتاحية قصيرة — ثلاث صفحات لا غير — لكنها تضع الإطار الذي يقوم عليه كل ما يليها. يقدّم فيها الراوي نفسه بهذه الكلمات:

“هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته، ولكني سجلتها جميعاً كما يرويها الرواة، وما أكثرهم! جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كل كما يسمعها في قهوة حيّه أو كما نُقلت إليه خلال الأجيال، ولا سند لي فيما كتبت إلا هذه المصادر. وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات! كلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم أو سوء معاملة؛ أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناحيتها المتصلة بالصحراء، وقال في حسرة: «هذا بيت جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوع؟ وكيف نُضام؟!» ثم يأخذ في قص القصص والاستشهاد بسير أدهم وجبل ورفاعة وقاسم من أولاد حارتنا الأمجاد.”

هذا قرار بنائي واعٍ. الراوي رجل يعيش في عصرنا الحديث، لم يشهد من الحكاية كلها إلا آخرها. يقول بنفسه:

“شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا، وعاصرت الأحداث التي دفع بها إلى الوجود عرفة ابن حارتنا البار. وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل في تسجيل حكايات حارتنا على يديّ، إذ قال لي يوماً: إنك من القلة التي تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا؟ إنها تُروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة في وحدة متكاملة ليحسن الانتفاع بها، وسوف أمدك بما لا تعلم من الأخبار والأسرار. ونشطت إلى تنفيذ الفكرة، اقتناعاً بوجاهتها من ناحية، وحباً فيمن اقترحها من ناحية أخرى.”

ثم يُغلق الراوي هذا التقديم بجملة تحدد طبيعة ما سيكتبه منذ البداية:

“ولكن مهلاً، فإنني لا أكتب عن نفسي ولا عن متاعبي. حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة. كيف وجدت؟ وماذا كان من أمرها؟ ومن هم أولاد حارتنا؟”

ما يكتبه الراوي إذن ليس رأياً ولا موقفاً — هو توثيق. رجل أُعطي مهمة التسجيل، فسجّل ما سمعه وما عاشه، وترك الأسئلة الكبرى معلقة كما هي. وهذا الاختيار يجعل الرواية أقرب إلى ذاكرة جماعية يرويها أهل الحارة عن أنفسهم، لا إلى خطاب مباشر يعلنه مؤلف عن قناعاته. وحين تقرأها بهذا الوعي تتغير طبيعة علاقتك بكل ما سيأتي.

وتظهر الحارة نفسها في الافتتاحية. يصفها محفوظ على لسان الراوي في وصف يتشابك مع حالنا المعاصر:

“كنا وما زلنا أسرةً واحدة لم يدخلها غريب، وكل فرد في حارتنا يعرف سكانها جميعاً نساءً ورجالاً. ومع ذلك فلم تعرف حارةٌ حدة الخصام كما عرفناها، ولا فرّق بين أبنائها النزاع كما فرّق بيننا، ونظير كل ساعٍ إلى الخير تجد عشرة فتوات يلوّحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال.”

الجميع ينتسبون إلى أصل واحد، لكن ذلك لم يمنع الظلم ولا الصراع.

وفي طرف هذه الحارة يقف البيت الكبير — بيت الجبلاوي، الجد الذي لم يره أحد منذ عهد بعيد. ويصف الراوي الجبلاوي بكلمات تكشف أنه ليس مجرد شخصية غائبة، بل لغز حقيقي يحير العقول:

“وجدنا هذا لغز من الألغاز؛ عُمِّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور، حتى ضرب المثل بطول عمره، واعتزل في بيته لكبره منذ عهد بعيد، فلم يره منذ اعتزاله أحد. وقصة اعتزاله وكبره مما يُحيّر العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها. على أي حال، كان يُدعى الجبلاوي وباسمه سميت حارتنا، وهو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والأحكار المحيطة بها في الخلاء.

سمعت مرة رجلاً يتحدث عنه فيقول: «هو أصل حارتنا، وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهي خلاءٌ خراب، ثم امتلكها بقوة ساعده. كان رجلاً لا يجود الزمان بمثله، وفتوة تهاب الوحوش ذكره.» وسمعت آخر يقول عنه: «كان فتوة حقاً، ولكنه لم يكن كالفتوات الآخرين، فلم يفرض على أحد إتاوة، ولم يستكبر في الأرض، وكان بالضعفاء رحيماً.» ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره ومكانته، وهكذا حال الدنيا.”

وهذا الغموض الذي يكتنف الجبلاوي هو ما دفع الراوي إلى الطواف ببيته مراراً، يبحث عن لقاء لم يتحقق:

“وكنت وما زلت أجد الحديث عنه شائقاً لا يُمل. وكم دفعني ذاك إلى الطواف ببيته الكبير لعلي أفوز بنظرة منه ولكن من دون جدوى. وكم وقفت أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنَّط المركب أعلاه! وكم جلست في صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير، فلا أرى إلا رءوس أشجار التوت والجميز والنخيل تكتنف البيت، ونوافذ مغلقة لا تنم على أي أثر لحياة. أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب؟!”

وفي هذا الراوي — الكاتب الوحيد في حارة أُمّية، الذي يطوف البيت الكبير باحثاً عن لقاء لا يتحقق، والذي يحمل هموم من لا يستطيعون الكتابة عن أنفسهم — لا يصعب أن يرى القارئ ظلاً من محفوظ نفسه. الكاتب الذي عاش وسط حارات القاهرة، وأمضى عمره يطرح نفس الأسئلة التي يطرحها راويه، باحثاً عن إجابات لها.

عند هذا الحد تنتهي الافتتاحية. رجل يعيش في آخر الحكاية قرر أن يرويها من أولها — لا من أول الحارة، بل من قبل أن تكون الحارة أصلاً. وهناك، قبل الفتوات وقبل الحارة نفسها، تبدأ الحكاية الأولى:

حكاية أدهم.

نجيب محفوظ # أولاد حارتنا

أخر المقالات

منكم وإليكم