#سبينوزا #و #العنكبوت: هل يمكن أن يكون العنكبوت اقدر على الحياة من الإنسان؟
ماذا لو كان الإنسان، رغم كل ما يملكه من عقل ولغة ووعي، ليس الكائن الأكثر قدرة على الحياة؟ عند سبينوزا لا تقاس قيمة الكائن بما يجعله شبيها بالإنسان، بل بقدرته على الوجود والفعل، أي بقدرته على الدخول في علاقات تزيد من قوته وتحافظ على وجوده. ومن هنا تأتي صورة العنكبوت في قراءة جيل دولوز لسبينوزا. فالعنكبوت لا يحتاج إلى معرفة العالم كما نعرفه نحن، ولا يحتاج إلى بناء فلسفة عن وجوده. إنه يمتلك جسدا مجهزا بطريقة تجعله يتفاعل مع العالم من خلال ما يستطيع فعله وما يؤثر فيه. العنكبوت لا يعرف كل شيء، لكنه يعرف عمليا ما يناسبه وما يهدده. يهتز خيط في شبكته، فيستجيب. يقترب شيء من مجاله، فيتفاعل معه. إنه يعيش من خلال شبكة دقيقة من العلاقات بين جسده والبيئة المحيطة به. اما الإنسان، فله قدرة هائلة على التفكير، لكنه يمتلك في الوقت نفسه قدرة هائلة على إضعاف نفسه. يستطيع أن يعيش ضد جسده، وضد رغباته، وضد ما يزيد قدرته على الفعل. يستطيع أن يعيش في الخوف من أشياء لم تحدث، وأن يتألم بسبب الماضي، وأن يصنع لنفسه مستقبلا لم يأت بعد ثم يعاني بسببه. وهنا تصبح المقارنة مع العنكبوت فلسفية لا بيولوجية. العنكبوت ليس اقدر من الإنسان في كل شيء، لكنه ربما يكون اكثر انسجاما مع نمط وجوده. فهو لا يطلب من الحياة أن تكون شيئا آخر غير ما هي عليه، بل يتفاعل معها وفقا لقدراته. وهنا تظهر المفارقة: ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان يجهل العالم، بل في أنه يملك وعيا يسمح له بأن يعيش احيانا ضد نفسه. فهل جعلنا العقل اكثر قدرة على الحياة، ام جعلنا اكثر قدرة على تعقيدها؟ وربما كان درس سبينوزا ودولوز ليس أن نصبح مثل العنكبوت، بل أن نسأل سؤالا مختلفا تماما: ما الذي يستطيع جسدي وعقلي فعله عندما يدخلان في علاقة تزيد من قدرتي على الحياة، وما الذي يضعف هذه القدرة؟ فالحرية عند سبينوزا ليست أن نفعل كل ما نريد، بل أن نفهم ما يزيد قدرتنا على الوجود والفعل، وما يجعلنا اكثر خضوعا لما يضعفنا. وربما لهذا يكون العنكبوت، في هذه الصورة الفلسفية، اكثر حكمة مما يبدو. ليس لأنه يفكر اكثر من الإنسان، بل لأنه لا يحتاج إلى التفكير في كيفية عيش حياته حتى يعيشها.
#سبينوزا #جيل_دولوز #فلسفة_الحياة #الفلسفة_الحديثة #همس_الفلسفة#مجلة ايليت فوتو ارت.

