الإله كوثر وحاسيس.. حين جعلت مدينة أوغاريت المعرفة إلهاً..
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ثمة آلهةٌ حملت الرعد وآلهةٌ حملت الخصب وآلهةٌ حكمت العالم السفلي، غير أن أوغاريت انفردت بإعلاء شأن إلهٍ لم تكن قوته في السيف بل في العقل ولم يكن سلطانه في العاصفة بل في النار التي تُلين المعادن وفي اليد التي تعرف كيف تُخرج من المادة الخام عملاً يقترب من الكمال. إنه كوثر وحاسيس الإله الذي اختزلت فيه أوغاريت فلسفتها في المعرفة والصنعة والإبداع.
ولم يكن العالم يعرف شيئاً يُذكر عن هذا الإله قبل اكتشاف مكتبة أوغاريت الملكية في رأس شمرا عام 1928. فالنصوص المسمارية التي خرجت من تحت التراب لم تُضف اسماً جديداً إلى قائمة الآلهة الكنعانية فحسب بل كشفت عن رؤية حضارية متقدمة كانت تمنح الحرفة منزلةً تكاد تضاهي منزلة الملك والآلهة الكبار. لقد أعادت تلك الرقم الطينية كتابة جانب مهم من تاريخ الفكر في الشرق القديم وأظهرت أن الحضارة لا تُقاس بعدد الجيوش وحدها وإنما أيضاً بعدد العقول التي تُبدع، والأيدي التي تُتقن.
تكشف الوثائق الأوغاريتية أن المدينة بلغت مستوى رفيعاً من التنظيم الاقتصادي والإنتاج الحرفي. فقد ازدهرت فيها صناعة البرونز والذهب والفضة والعاج والأخشاب والأقمشة والزجاج كما ازدهرت الورش الملكية التي كانت تنتج الأسلحة والأدوات والحلي والقطع الفنية التي وصلت إلى أسواق البحر المتوسط. ولم يكن هذا النشاط مجرد عمل اقتصادي بل كان جزءاً من هوية المدينة نفسها حتى أصبح للحرفي حامٍ إلهي يجسد المثال الأعلى للإتقان.
في هذا السياق يظهر كوثر وحاسيس لا بوصفه إلهاً للصناعة فحسب بل بوصفه العقل المبدع الذي تحتاج إليه الآلهة نفسها. فحين أراد بعل أن يؤكد سيادته بعد انتصاره على يم لم يكن النصر كاملاً ما لم يمتلك قصراً يليق بملك الآلهة. وهنا يُستدعى كوثر فيرسم ويخطط ويصهر المعادن ويشيد قصراً فوق جبل صفون في مشهد يفيض بالرمزية إذ يصبح البناء إعلاناً عن انتصار النظام على الفوضى والعلم على العشوائية.
ولم يكن كوثر مجرد معماري سماوي بل كان أيضاً حداداً لا تضاهيه يد وصانعاً للأسلحة الإلهية.
فهو الذي صنع لبعل الهراوتين الشهيرتين اللتين مكنّتاه من هزيمة يم في تصوير أسطوري يجعل التقنية شريكاً للنصر ويمنح المعرفة مكانة تتقدم على القوة المجردة.
ثم تعود شخصية كوثر لتتألق في ملحمة أقهات حين يصنع القوس الفريدة التي يهديها إلى الملك العادل دانيل، فتنتقل بعد ذلك إلى ابنه أقهات. ولم تكن تلك القوس مجرد قطعة سلاح بل كانت رمزاً للمعرفة التي لا تُشترى وللمهارة التي لا تُقدّر بثمن. ولهذا رفض أقهات التفريط بها لأن ما صنعته يد الإله لا يُعوَّض وكانت تلك القوس سبباً في تطور أحداث الملحمة كلها.
أما اسمه المركب فهو من أجمل الأسماء الدالة في التراث الكنعاني. فـكوثر يدل في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة على المهارة والاقتدار والإتقان بينما يشير حاسيس إلى الفهم العميق والبصيرة والحكمة العملية. ولذلك لا يكون المعنى الأقرب للاسم سوى: “الماهر الحكيم” أو “الصانع الحاذق”، وهي تسمية تجعل المعرفة التقنية نفسها صفة إلهية.
وقد ذهب بعض اللغويين إلى أن أحد ألقابه يرتبط بالجذر السامي (ه ي ن) وربطوا ذلك بمفردات سريانية وعربية تدل على السهولة واليُسر ومنها كلمة “هيّن”. غير أن هذا الرأي يبقى اجتهاداً لغوياً لم يحظَ بإجماع الباحثين ولذلك ينبغي عرضه بوصفه احتمالاً علمياً، لا نتيجة نهائية. والمنهج العلمي يقتضي دائماً التمييز بين ما تثبته النصوص وما تستنتجه المقارنات اللغوية.
إن أهمية كوثر وحاسيس لا تكمن في الأسطورة وحدها بل فيما تعكسه شخصيته من رؤية حضارية متقدمة. فقد أدركت أوغاريت، قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام أن المعرفة هي أساس العمران، وأن المهارة هي التي تمنح القوة معناها. لذلك لم تجعل الحرفي تابعاً للمحارب، بل جعلت المحارب نفسه محتاجاً إلى الحرفي وجعلت الملك محتاجاً إلى المهندس وجعلت الآلهة تحتاج إلى الصانع كي يتحقق سلطانها.
ومن هنا يغدو كوثر وحاسيس أكثر من شخصية أسطورية إنه رمزٌ لعصرٍ آمن بأن العقل هو أعظم أدوات الإنسان وأن النار التي تصهر المعادن قادرة أيضاً على صهر الفوضى وتحويلها إلى نظام وتحويل الحجر إلى معبد والخشب إلى سفينة والفكرة إلى حضارة.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي ما زالت نصوص أوغاريت تحملها إلينا بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً .. فالحضارات قد تسقط والمدن قد تندثر غير أن المعرفة التي صنعتها تبقى قادرة على إحياء أصحابها كلما نطق التاريخ باسمهم.
“لم يكن كوثر وحاسيس إله النار بل إله العقل الذي عرف كيف يجعل النار خادمةً للحضارة.”
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””.
فيما يلي ترجمة لأهم المراجع الأكاديمية التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة كوثر وحاسيس، مع ترجمة عناوينها إلى العربية:
Mark S. Smith – The Ugaritic Baal Cycle (Volumes I–II)
الترجمة: دورة بعل الأوغاريتية (الجزآن الأول والثاني).
يعد المرجع الأهم في شرح النصوص المتعلقة ببعل، ويتناول بالتفصيل دور كوثر وحاسيس في بناء قصر بعل وصناعة أسلحته.
Simon B. Parker (Editor) – Ugaritic Narrative Poetry
الترجمة: الشعر السردي الأوغاريتي.
يضم ترجمة ودراسة لملحمتي بعل وأقهات، مع تعليقات لغوية وتاريخية.
Dennis Pardee – Ritual and Cult at Ugarit
الترجمة: الطقوس والعبادة في أوغاريت.
يدرس الحياة الدينية الأوغاريتية وعلاقة الآلهة بالمجتمع والطقوس.
Gregorio del Olmo Lete & Joaquín Sanmartín – A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition
الترجمة: معجم اللغة الأوغاريتية في تقليدها الأبجدي.
المرجع اللغوي الأساسي لفهم دلالات أسماء الآلهة، ومنها «كوثر» و«حاسيس».
Nicolas Wyatt – Religious Texts from Ugarit
الترجمة: النصوص الدينية من أوغاريت.
يقدم ترجمة حديثة للنصوص الدينية ..
الصورة المرفقة بعدستي مدينة اوغاريت عندما تشرق شمس الصباحات الجميلة


