غرام الربيعي
تآخي القصيدة واللوحة في امرأةٍ واحدة
هناك مبدعون لا يكتفون بأن ينظروا إلى العالم، بل يعيدون اختراعه كلما اقتربوا منه. يكتبون لأن الأشياء في داخلهم أكثر اتساعاً من أن تبقى صامتة، ويرسمون لأن اللغة، مهما بلغت من الشعر، تظل عاجزة أحياناً عن احتضان كل ما تراه الروح. وبين الكتابة والرسم تنشأ منطقة ثالثة، لا هي قصيدة خالصة ولا لوحة مكتملة الحدود، وإنما فضاء تتداخل فيه الحواس، فتتحول الكلمة إلى لون، ويتحول اللون إلى جملة، وتصبح الصورة الشعرية امتداداً للصورة التشكيلية.
في هذه المنطقة تقف غرام الربيعي شاعرة وفنانة وكاتبة، تحمل في تجربتها وعياً لا يفصل الجمال عن الفكر، ولا العاطفة عن المعرفة، ولا المرأة عن قدرتها على إنتاج خطابها الخاص. إنها لا تكتب من خارج التجربة، بل من قلبها؛ ولهذا تأتي نصوصها محمّلة بذلك التوتر الجميل بين ما يُقال وما يتعذر قوله، بين الرغبة في الاقتراب والخوف من انكشاف القلب، بين الحضور الذي يملأ الروح والغياب الذي يترك فيها فراغاً لا يُرى.
هذه العبارة يمكن أن تكون مفتاحاً للدخول إلى عالم غرام الربيعي؛ لأن الكتابة لديها لا تبدو مجرد صياغة لغوية لمشاعر عابرة، وإنما محاولة لاستعادة ما لا تستطيع الذاكرة الاحتفاظ به كاملاً. إنها تكتب كي تمنح الشعور شكلاً، وكي تجعل ما يحدث في الداخل قابلاً للرؤية. وربما لهذا تبدو تجربتها قريبة من الفن التشكيلي فكما يضع الفنان اللون في مكانه حتى تتكون الصورة، تضع غرام مفرداتها في مساحات دقيقة حتى تتكون الحالة.
وعندما نقترب من عنوان لا أحد سواي يجيدك، نجد أنفسنا أمام جملة تحمل أكثر من معنى. إنها في ظاهرها اعتراف بالمعرفة الحميمة بالآخر، لكنها في عمقها تحمل سؤالاً عن العلاقة بين المحبة والامتلاك، وبين معرفة الآخر والرغبة في أن يكون المرء الشخص الوحيد القادر على قراءة أسراره.
العنوان لا يقول أحبك فقط، ولا يقول أعرفك فقط، وإنما يذهب إلى منطقة أكثر جرأة:
أنا أجيدك.
وهذه المفردة وحدها تفتح أبواباً واسعة للتأويل. فكيف يُجاد الإنسان؟ هل يُجاد كما تُجاد اللغة؟ أم كما يُعزف اللحن؟ أم كما تُقرأ لوحة لا يستطيع أحد أن يفهم أسرارها من النظرة الأولى؟
ربما تقترح غرام أن المحبوب ليس شخصاً نعرفه بالمعلومات، بل كائن له إيقاعه الخاص، ومفرداته الخفية، وارتباكاته، وصمته، وطريقته في الحضور والغياب. ومن تحبه لا تقرأ ملامحه فقط، وإنما تحفظ إيقاع روحه.
لهذا تصبح المرأة في كتابتها أكثر من شخصية عاطفية تنتظر الآخر
إنها امرأة تعرف موقعها في العلاقة وتعرف قدرتها على الكلام، وتعلن حقها في أن تكون قارئة للآخر، لا موضوعاً لقراءته وحده.
وهنا تظهر قيمة التجربة النسوية لدى غرام الربيعي من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو شعارات. المرأة عندها لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تثبت حضورها؛ يكفي أن تمتلك لغتها. واللغة، في تجربتها، شكل من أشكال القوة.
إنها امرأة تكتب الحب من الداخل لكنها لا تسلمه بسهولة إلى الرومانسية التقليدية. فالحب عندها ليس وردة مكتملة، وإنما مساحة من الأسئلة: ماذا يعني أن نعرف شخصاً إلى هذا الحد؟ ماذا يبقى من الحب عندما يصبح الآخر غياباً؟ وهل يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمن يحب داخل اللغة بعدما يفقده في الحياة؟
من هنا تتحول القصيدة إلى مساحة لاستعادة الغائب، حتى لو لم يكن الغياب موتاً. فالغياب في الكتابة قد يكون مسافة، أو صمتاً، أو تغيراً، أو انطفاء علاقة، أو عجزاً عن الوصول. ولذلك تظل الذاكرة حاضرة في خلفية النص
ذاكرة لا تحفظ الأحداث كما وقعت، وإنما تحفظ أثرها.
وهذه إحدى خصائص اللغة عند
غرام الربيعي:
أنها لا تعتمد على الحكاية وحدها وإنما على الإيحاء. الصورة تأتي لتقول أكثر مما تقوله العبارة المباشرة، والمفردة لا تقف عند معناها القاموسي، بل تفتح خلفها ظلالاً متعددة. لذلك يمكن للقارئ أن يعود إلى الجملة نفسها أكثر من مرة، وفي كل مرة يجد فيها شيئاً جديداً.
وهنا تتجلى ثقافتها أيضاً. فالنص الذي يحمل وعياً جمالياً لا يحتاج إلى استعراض المعرفة؛ الثقافة الحقيقية تتسلل إلى الكتابة بطريقة هادئة فتظهر في اختيار المفردة، وفي تركيب الصورة، وفي القدرة على الانتقال من الخاص إلى الإنساني. وغرام الربيعي تمتلك هذه المسافة التي تجعل تجربتها أكبر من اعتراف شخصي؛ فهي تبدأ من ذاتها، ثم تترك للمتلقي فرصة أن يجد ذاته فيها.
أما علاقتها بالفن التشكيلي، فتمنح تجربتها بعداً آخر. الفنانة التي تعرف اللون لا يمكن أن تتعامل مع اللغة بطريقة محايدة؛ عينها مدربة على الضوء، والظل، والمساحة، والتكوين والعلاقة بين العناصر. ولهذا تبدو الصورة في كتابتها حاضرة بقوة، وكأن الجملة أحياناً تريد أن تُرى قبل أن تُقرأ.
إنها تكتب بعين الفنانة.
وتنظر إلى اللون كما تنظر الشاعرة إلى المفردة.
وهنا يحدث التداخل الجميل بين الفنين:
القصيدة تصبح لوحةً من الكلمات واللوحة تصبح قصيدةً صامتة.
ولعل هذا ما يجعل تجربة غرام الربيعي جديرة بالقراءة من أكثر من زاوية. فهي لا تنتمي إلى الشعر وحده، ولا إلى التشكيل وحده، وإنما إلى ذلك النوع من التجارب التي تتحول فيها الفنون إلى لغة واحدة.
الفنانة تستعين بحساسية الشاعرة والشاعرة تستفيد من عين الفنانة والكاتبة تمنح الاثنين مساحة للتأمل والتفكير.
وفي هذا التداخل لا تضيع هوية أي فن، بل تتسع.
فالكلمة عندها ليست لوناً بالمعنى المجازي فقط؛ إنها تمتلك إيقاعاً بصرياً. والجملة لا تُقرأ وحدها، بل تُرى في مخيلة القارئ. وهذا أحد أسرار الكتابة التي تستطيع أن تبقى بعد انتهاء القراءة: أنها لا تترك معنى فقط، وإنما تترك صورة.
وإذا كان الحب هو أحد الأبواب التي تدخل منها غرام إلى عالمها، فإنها لا تجعل الحب نهاية الطريق. إنها تستخدمه لاكتشاف الإنسان: ضعفه، غروره، خوفه، احتياجه، قدرته على التعلق، وقدرته أيضاً على الرحيل.
ومن هنا يصبح عنوان لا أحد سواي يجيدك أكثر عمقاً
فهو ليس مجرد عبارة عاشقة، بل يمكن أن يُقرأ باعتباره إعلاناً عن معرفة استثنائية بالآخر، وربما محاولة للاحتفاظ به داخل اللغة عندما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به.
لكن المفارقة الأجمل أن الشاعرة وهي تقول أنا أجيدك، تكشف عن ذاتها أيضاً. فكلما حاولت أن تصف الآخر ظهر جزء منها. وكلما تحدثت عن الحب، تكشفت رؤيتها للعالم. وكلما اقتربت من الغائب، ظهر حضورها هي بصورة أكثر وضوحاً.
وهنا تكمن قوة الكتابة:
أن يكتب الإنسان عن الآخر، فيكتشف نفسه.
غرام الربيعي لا تقدم نفسها في تجربتها امرأةً تكتب الحب فقط، وإنما مبدعة تحاول أن تمنح التجربة الإنسانية شكلاً جمالياً وفكرياً. ولهذا تتسع كتابتها من العاطفة إلى التأمل ومن الخاص إلى العام، ومن الجسد إلى الروح، ومن الصورة إلى السؤال.
إنها تملك حساسية الفنانة، وقلق الشاعرة، ووعي الكاتبة، وهذه الثلاثية تمنح تجربتها خصوصيتها. فالفن عندها ليس زينة للحياة، والشعر ليس هروباً منها، والكتابة ليست تسجيلاً لما حدث؛ إنها جميعاً محاولات لفهم ما يحدث للإنسان عندما يحب، وعندما يفقد، وعندما يتذكر، وعندما يقف أمام نفسه وحيداً.
وفي النهاية، ربما لا يكون أجمل ما في غرام الربيعي أنها تجيد الكتابة عن الحب، بل أنها تعرف كيف تجعل الحب سؤالاً عن الإنسان.
لهذا تبقى لا أحد سواي يجيدك
أكثر من عنوان إنها جملة تشبه مفتاحاً سرياً لباب طويل، خلفه امرأة تعرف أن الآخر قد يكون قصيدة، وأن القصيدة قد تكون وطناً، وأن اللوحة قد تخبئ اعترافاً لا تستطيع الكلمات وحدها قوله.
وغرام الربيعي، بين اللون والكلمة، لا تبحث عن إجابة نهائية.
إنها تترك لنا الدهشة.
وتترك لنا السؤال.
وربما تترك لنا ذلك الشعور النادر الذي يجعلنا نغادر النص ونحن نشعر أن شيئاً في داخلنا قد قُرئ للمرة الأولى.
#اميرة ناجي / بغداد#الفن والنقد التشكيلي# مجلة ايليت فوتو ارت.


