عصابات نيويورك
Gangs of New York
هذا الفيلم الملحمي ، المُنتَج عام 2002 بإدارة المخرج الأمريكي الشهير ” مارتن سكورسيزي ” ، ترشح لعشر جوائز أوسكار ، ولكنه لم ينل و لا واحدة منها ، و يعلم الجميع أن النحس يلاحق ” سكورسيزي ” بخصوص هذه الجائزة ، على الرغم من أن معظم أفلامه تستحق الأوسكار ، و التي لم يفز بها إلا مرة واحدة ــ عام 2007 ــ عن فيلم ( المغادرون ) ، مثلما لم يفز بجائزة غولدن غلوب غير مرة واحدة أيضاً . إنه يترشح دائما ، ولكن دائماً تكون هاتان الجائزتان بعيدتين عن متناول يده ، و لا أحد يعرف لماذا يلاحقه هذا النحس ، ربما القليلون ممن يعرفون الخفايا يدركون السر .
فهذا المخرج الأمريكي ذو الأصول الإيطالية ، عانى ــ منذ بداياته ــ من عدم الاعتراف بموهبته ، لكنه أخرج أفلاماً مذهلة لا يمكن لأي مؤرخ للسينما الأمريكية ، بل السينما العالمية في أرقى مستوياتها ، أن يتجاوزه ، إذ قدّم للعالم سلسلة من الأفلام الرائعة التي كان الجمهور السينمائي ، و ما يزال ، ينتظر عَرضهَا بمجرد الإعلان عنها ، و دائماً يتوقع فوزها ولكنه ــ في الغالب ــ يُصاب بالخيبة ، و قد أدمن هذا الجمهور على هذه الخيبة ، مثلما أدمن أدمن ” سكورسيزي ” نفسه على النحس . و بطل هذا الفيلم ” ليوناردو دي كابريو ” كان نحسُ الأوسكار يلاحقه أيضاً ، و لم يفز بها إلا مرة واحدة ــ عام 2016 ــ عن فيلم ( العائد ) و إلا فهو كان يستحقها منذ العام 1997 عندما لعب دور البطولة في فيلم ( تايتانِك ) الشهير . و اعتباراً من هذا الفيلم ( عصابات نيويورك ) بدأ التعاون بين ” سكورسيزي ” و ” دي كابريو ” . و يُعرف عن ” سكورسيزي ” أنه مدمنٌ على معالجة القصص التي تتناول تاريخ أمريكا من مختلف الزوايا التي تتعلق بالحياة و الأحداث و المتغيرات في هذه البلاد و سماتها . و قد اعتاد أن يركز في معظم أفلامه على العصابات ( المافيات تحديداً ) التي كانت تتحكم بالشارع الأمريكي منذ نشأة الحياة المدنية فيها في القرن التاسع عشر . ولكنه في هذا الفيلم يضع اصبعه على العصب الأساس الذي شكّل بداية تكوين العصابات في أمريكا مع بداية وصول الإيطاليين و الإيرلنديين اليها .. كونها ( أرض الأحلام ) .
الفيلم يتناول مرحلة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية ( 1861 ــ 1865 ) و ما بعدها ، التي قادها الرئيس الأمريكي السادس عشر ” ابراهام لنكولن ” ( 1809 ــ 1865 ) ــ يُلفظ اسمُهُ ” ابرِم لِنكن ” ــ الذي سنّ ، بعد تلك الحرب ، قانوناً ألغى تجارة العبيد .. و حررهم ، و لذلك لقي عَداءً من قبل العنصريين البيض ، غير أنه تم قتله ــ أثناء حضوره عرضاً مسرحياً ــ على يد يهودي ، و ليس على يد أبيض عنصري ، لماذا ؟ لا أحد يدري ، فقد يكون مدفوعاً من قبل عنصريين ، لكن دوافع الجريمة بقيت غامضة . غير أنه على الرغم من سريان قانون إنهاء العبودية إلا أن سلوك الاستعباد ظل سائداً حتى سبعينيات القرن العشرين ، و مازال رذاذ العنصرية منتشراً بشكل ما في أمريكا .. حتى اليوم .
و يؤكد هذا الفيلم ان العنصرية ظلت قائمة ــ بعد صدور قانون الغاء العبودية ــ ليس تجاه السود فقط بل تجاه المهاجرين عموماً ، على الرغم من أن أمريكا هي بلد مهاجرين أصلاً ، بل إن هذه العنصرية كانت قائمة بين المهاجرين أنفسهم ، بين الايطاليين و الايرلنديين خصوصاً ، و هما الطرفان اللذان أسسا المافيات في أمريكا لاحقاً .
كتب سيناريو الفيلم ” ستيفن زايلين ” و ” كينيث لونير غان ” و ” جاي كوكس ” ، مُقتبَساً من رواية صدرت ، عام 1928 ، بذات العنوان للكاتب الأمريكي ” هربرت أسبري ” ( 1891 ــ 1963 ) الذي اشتهر بتدوين تاريخ الجرائم في أمريكا من خلال رواياته : ( جوهرة البراري ) ، ( تاريخ غير رسمي لعالم الجريمة في شيكاغو ) ، ( ساحل البربر: تاريخ غير رسمي لعالم الجريمة في سان فرانسيسكو ) ، ( مسيرة الساذج : تاريخ غير رسمي للمقامرة في أمريكا ) و (عصابات نيويورك ) التي تحولت الى هذا الفيلم .
أجواء هذا الفيلم هي أجواء القرن التاسع عشر و بداية التكوين المدني للمجتمع الأمريكي ، ولكنها أجواء لم تخلُ من ترسبات مشاكل و تناحر مجتمع ما قبل الحرب ، ترسبات انتهت بحرب أهلية استمرت خمسَ سنوات .. و تركت آثارها كأي حرب .
لكن الصراع الذي يطرحه الفيلم صراع عصابات مختلفة المنبت ، عصابات هاجر أفرادها الى أمريكا ليكوّنوا في البداية جماعات تتمظهر بمذهبين مسيحيين : كاثوليكي و بروتستانتي ، تتمظهر بالمذهب من أجل حماية المصالح و تتمظهر بالمصالح من أجل حماية المذهب . إنه صراع سخيف يتداخل طرفاه و يتشابكان بعيداً عن الحكمة ليكتشفا الخسارة متأخرَين ، خسارة الأرواح بالدرجة الأولى ، و هي أرواح أشخاص غُرّر بهم ليلقوا حتوفهم ــ في النهاية ــ وحيدين .
ولكن العنف الذي مارسه الايرلنديون سببه احتجاجهم على التجنيد الإجباري ، ثم حصل الاحتكاك مع الإيطاليين ، و قد استمرت حرب العصابات هذه مدة 56 سنة ( 1846 ــ 1902 ) . و قاد طرفي الصراع كل من ” أمستردام فالون ” ( لعب دوره ” ليوناردو دي كابريو ” ) ، و ” بيل الجزار ( لعب دوره ” دانيال دي لويس ” ) .
و قد اشتغل المخرج ” سكورسيزي ” لمدة عشرين سنة و هو يهيئ لهذا الفيلم الذي بدأ تصويره عام 1999 فأصبح جاهزاً للعرض عام 2001 ، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذلك العام أجّلت عرضه الى العام التالي 2002 . فقد نشأ ” سكورسيزي ” ــ و هو إيطالي الأصل ــ خلال الخمسينيات ، في مدينة مانهاتن في نيويورك التي كان يعتقد أنها مدينة المهاجرين الإيطاليين فحسب ، لكنه اكتشف في ملامح المدينة و آثارها ما يخص أقواماً أخرى ، و عندما قرأ عام 1970 كتاب ( عصابات نيويورك ) الصادر عام 1928 للكاتب ” هربرت أسبري ” وضع يده على كشف درامي يستحق التمعن و الترجمة البصرية كفيلم ، لكنه لم يبدأ قبل عام 1999 .
#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت..


