حول التطور بنية العلاقة مع التدين.

هل يولد الأطفال مؤمنين بالفطرة أم يكتسبون الدين؟يمثل التطور المعرفي للأطفال أحد أعقد الحقول البحثية في علم النفس الارتقائي، وتبرز إشكالية نشأة المعتقدات الدينية كأحد أبرز الأسئلة في هذا السياق. هل يمتلك العقل البشري بنية فطرية مسبقة تجعله مستعدا لقبول فكرة الألوهية، أم أن الدين نتاج خالص للتلقين الاجتماعي؟ تتطلب الإجابة عن هذا التساؤل تفكيكا للآليات الإدراكية التي تحكم عقل الطفل في مراحله الأولى، وتحليل كيفية تفاعل هذه الآليات مع المعطيات الثقافية المحيطة به.يطرح جوستين باريت (Justin Barrett)، ضمن أطروحات علم النفس المعرفي التطوري، مفهوم “المؤمنين بالفطرة” (Born Believers)، منطلقا من افتراض أن الهيكل العصبي والمعرفي للطفل مصمم بطريقة تجعله ميالا إلى البحث عن الغايات والمقاصد في العالم المادي. يُظهر الأطفال نزعة نحو “التفكير الغائي” (Teleological Thinking)، فيفسرون الظواهر الطبيعية باعتبارها مصممة لغرض محدد. ويقترن ذلك بما يسميه باريت “جهاز كشف الفاعل” (Agency Detection Device)، وهو آلية تطورية تدفع العقل البشري إلى افتراض وجود كيانات واعية تقف خلف الأحداث الغامضة. تتوافق هذه الانحيازات المعرفية المبكرة مع التصورات الدينية التي تفترض وجود خالق واعٍ يدير الكون، ما يجعل استيعاب فكرة الإله، بحسب هذا الطرح، أمرا قريبا من البداهة بالنسبة للهيكلية الإدراكية للطفل.في المقابل، يصطدم هذا الاستعداد المعرفي المبكر بحدود التطور العقلي كما صاغها جان بياجيه (Jean Piaget). يرى بياجيه أن تفكير الأطفال في المراحل المبكرة يتسم بالنزعة التجسيدية (Anthropomorphism)، إذ يميلون إلى إسقاط الصفات البشرية المادية والنفسية على الإله. يواجه العقل الطفولي صعوبة في استيعاب المفاهيم اللاهوتية كالحضور المطلق أو المعرفة الشاملة، فيستبدل بها تصورات تعتمد على التفكير السحري والقصص الأسطورية. ويستلزم الانتقال من هذا التصور المادي إلى الإيمان اللاهوتي، وفق بياجيه، بلوغ مرحلة النضج المعرفي في المراهقة، حين تتطور القدرة على التفكير التجريدي والمنطقي.بموازاة البعد المعرفي، تفسر نظرية التعلق (Attachment Theory) التي وضعها جون بولبي (John Bowlby)، وطورها بير غرانكفيست (Pehr Granqvist) في مجال سيكولوجية الدين، العلاقة بالدين من زاوية مختلفة. تقوم هذه النظرية على أن الطفل ينقل آليات التعلق العاطفي التي يطورها مع والديه، بوصفهما ملاذا آمنا، إلى شخصية الإله. يمثل الإله، في هذا المنظور، شخصية أبوية مركزية توفر أمانا وجوديا دائما، وتعوض جوانب من النقص الذي تعجز السلطة الأبوية المادية عن سده بشكل كامل.على خلاف هذا التركيز على الفطرة المعرفية والعاطفية، تطرح دراسات بول هاريس (Paul Harris) نموذجا يقوم على “الشهادة” (Testimony) والتلقين الاجتماعي. يفند هاريس فكرة أن الأطفال يصدقون كل ما يتلقونه بسذاجة، ويبين أنهم يعتمدون بشكل منهجي على شهادة الكبار الموثوقين لفهم الظواهر غير المرئية. يتعامل الطفل مع مفهوم الإله، وفق هذا الطرح، بالآلية المعرفية نفسها التي يتعامل بها مع مفهوم “الجراثيم” أو مع شخصيات تاريخية سابقة؛ فهو لا يرى أيا منها، ويستند في إثبات وجودها إلى الإجماع الاجتماعي والتأكيدات المتكررة من مصادر ثقة كالآباء والمعلمين.يتجلى التباين الأوضح في هذه القضية بين المقاربة التطورية المعرفية التي يمثلها باحثون مثل باسكال بوير (Pascal Boyer)، والمقاربة التحليلية الكلاسيكية عند سيغموند فرويد (Sigmund Freud). يفسر فرويد المعتقدات الدينية الطفولية بوصفها عصابا بشريا عاما وآلية دفاعية لمواجهة قسوة الطبيعة والعجز الإنساني، تعتمد على استدعاء صورة “الأب الخيالي” المنقذ. ويقابل هذا الطرح تفسير بوير وباريت، اللذين يجردان الدين من الصبغة المرضية أو الدفاعية، ويريان أن الإيمان ليس عصابا أو وهما نفسيا، بل هو “نتاج جانبي” (Spandrel) لعمل آليات الدماغ البشري المعتادة، التي تطورت أساسا لحل مشكلات البقاء والتعرف على الأنماط.تشير هذه المقاربات مجتمعة إلى أن المعتقدات الدينية لدى الأطفال لا تنشأ من فراغ، ولا تُفرض على عقول خالية من أي استعداد مسبق. يوفر العقل البشري تربة معرفية مزودة بانحيازات فطرية لاستيعاب مفاهيم الغائية والفاعلية الخفية، وتتولى مؤسسات التنشئة الاجتماعية صياغة هذه الانحيازات وتوجيهها ضمن أطر لاهوتية وثقافية تتطور مع نضج الهياكل الإدراكية للإنسان.#علم_النفس_الارتقائي #سيكولوجية_الطفل #التطور_المعرفي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم