يظن أنه لو كانت عنده موهبة إبداعية قوية لفرضت نفسها.. د. رشيد العنانى: كتاباتى تعكس التوتر القائم بين الناقد والمبدع
أجرى الحوار: أسامة الرحيمى
لا يوجد مبدع ينشأ فى فراغ وإنما هو ــ شاعرا كان أو روائيا أو مسرحيا ــ ينتمى إلى تقليد أدبى سابق على وجوده
فى كل مبدع ناقد داخلى ينقد السابق عليه والمعاصر له وينقد ذاته فيما يكتب
كلما قرأت للدكتور «رشيد العناني» شيئا خايلنى سؤال:
هل ثمّة رهبنة فى النقد!
لا أقصد المعنى الدينى ولا الانقطاع للعبادة والتأمّل. إنما الثقافى والإنساني!
يكاد يعتزل محيطه الاجتماعى، وهو الحاضر عادة فى وقار وهدوء!
إذا أنصت صمت تماما، وإذا حدّث شغف الأذهان بلماحيته ومسّ القلوب بعذوبة رؤيته!
مُنقطع لعمله أغلب أيامه، ومخلص لقراءاته، ومتابع للإبداعات المهمة فور صدورها. كأنها رهبنة إيجابية. ويشارك فى الفاعليات الجادة، وإن تمسك بالسكوت والإصغاء معظم الوقت.
يفيض بحيوية أستاذ الجامعة، المعروف لدى الأوساط الثقافية الغربية والعربية، ويفصل فى دراساته بحرفية بين المستوى الأكاديمى والكتابة النقدية لعموم القُرّاء، ويدعم المؤتمرات الجيدة بحضور نافع، ويسهم بحماس وتواضع فى تأسيس الجوائز المهمة، ويُحكّم فى بعضها بتجرّد وعدالة! ولد دكتور رشيد فى القاهرة 17 يوليو 1949، ولحبّه الأدب التحق بآداب القاهرة لدراسته نهاية الستينيات، وبعدها حاز الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية، وعمل بالتدريس فيها حتى ترأّس قسم الدراسات العربية والإسلامية، وما يزال فيها أستاذا فخريا للأدب العربى الحديث. وتسبقه سمعته كأستاذ للأدب العربى والمقارن. وشارك بلجان تحكيم «البوكر العربية» فى بدايتها وأصبح عضوا فى مجلس أمنائها، وحكَّم أيضا بجائزة «نجيب محفوظ» بالجامعة الأمريكية لخمس سنوات. ويُشرف على تحرير «سلسلة دراسات أدنبره فى الأدب العربى الحديث»، .
لأى مدى يمكن التوفيق بين النقد والإبداع داخل الكاتب نفسه؟
أرى العلاقة بين النقد وبين الإبداع علاقة عضوية حيّة، وإن كانت علاقة غير متكافئة فالإبداع هو الأصل والنقد عالةً عليه. فالعمل الإبداعى متواجد بذاته، ولكن العمل النقدى يعتمد على الإبداع كمبرر لوجوده. فلا نقد بلا إبداع، ولكن الإبداع ممكن بدون نقد. هذا الفهم ممكن طالما أننا نفكر فى المبدع والناقد باعتبارهما شخصين مختلفين. لكن الحقيقة أنه فى داخل كل مبدع ناقد. لأنه لا مبدع ينشأ فى فراغ وإنما هو، شاعرا كان أو روائيا أو مسرحيا الخ، ينتمى إلى تقليد أدبى سابق على وجوده، وهو يقرأ التراث السابق عليه ويتذوقه ويتعلم منه. يستحسن ما يستحسن ويرفض ما يرفض. يتأثر به أو ينكره. يسير على خطاه أو يثور عليه ويقلبه رأسا على عقب. والمبدع فى هذا كله إنما يعمل فى داخله الناقد المُركَّب فيه. ففى كل مبدع ناقد داخلى ينقد السابق عليه والمعاصر له وينقد ذاته فيما يكتب ولهذا نرى الكتّاب يتطورون ونرى ذواتهم الراهنة قد لا تستحسن ما أبدعوه من عشر سنوات أو عشرين. إنما ذلك هو الناقد الداخلى فيهم. أما الناقد الخارجى ففى ظنى أن القارئ أحوج إليه من المبدع، لأن القارئ ليس لديه بالضرورة الملكة النقدية الداخلية التى عند المبدع بحكم تمرّسه بالتقليد الأدبى الذى ينتمى إليه.
أما إذا عكسنا السؤال عمّا إذا كان فى داخل كل ناقد مبدع، فقد يكون الأمر أكثر تعقيدا، خاصة فى حالة الناقد الذى يكتب النقد ويبدع أيضا. خذ مثلا طه حسين فهو باحث وأكاديمى وناقد ولكنه أيضا مبدع كتب السيرة الذاتية وكتب الرواية، مما يمكننا أن نقول إن كلا الصفتين تتجاوران فى داخله وإن قامت بينهما الحدود.
أما الصعوبة الحقيقية فهى فى الناقد الذى لا يكتب إلا النقد – هل فى داخله مبدع أيضا؟ وهل يتسلل هذا المبدع الباطنى بعلمه أو بدون علمه إلى كتاباته النقدية؟ أعتقد أن هذا ممكن وواقع لكنه لا يعمّ على جميع النقاد. على سبيل المثال، النقد الأكاديمى اليوم شديد الجفاف وشديد الإغراق فى النظرية الأدبية وفى التحليلات العابرة للتخصصات مخضعا النصوص الأدبية ليس فقط للنظريات الأدبية، ولكن أيضا لحشد هائل من شتى نظريات العلوم الاجتماعية والإنسانية. قد يكون هذا شيئا مفيدا لكنه فى النهاية جعل النقد علما جافا متخصصا مغلقا على الدوائر الأكاديمية وقاعات الدرس والبحث. ليس فى هذا النقد إبداع، لأن شرط الإبداع أن يكون نتاجا ممتعا مفتوحا للعموم. قديما كنت تقرأ المقالة النقدية لطه حسين أو العقاد أو لويس عوض أو محمد مندور، والقائمة تطول، فتجد فيها متعة أسلوبية وفكرية لا تستعصى عليك. هذا هو الناقد الذى فى باطنه مبدع. وهذه هى المقالة النقدية التى تُعد أدبا والتى تُقرأ لذاتها وليس فقط من أجل ما فيها من نقد لعمل إبداعى آخر.
هل يطغى أحدهما (النقد والإبداع) على الآخر أحيانا أو يعرقله على نحو ما؟
يعتمد هذا فى رأيى على قوة الناقد الباطنى فى المبدع فهذا ينتج عنه أعمال شديدة الإحكام فى بنائها وهندستها العامة وتحريك شخصياتها حتى أنك لتكاد تسمع صوت الروائى وهو ينسج خيوط الحبكة على منواله أو ينحت الشخصيات بإزميله أو كأنه يكتب تطبيقا لقواعد الكتابة الروائية. أحس بهذا مثلا فى كتابة الأكاديمى والروائى اللبنانى «إلياس خوري»، وقبله فى كتابة الروائى الفلسطينى العراقى، «جبرا إبراهيم جبرا». أما إن أردت أن تقرأ نقدا تطغى عليه روح الإبداع، فعليك بقراءة الكتاب النقدى التأسيسى «الغُربال» (1923) لـ «ميخائيل نعيمة»، حيث نجد أن روح الشاعر المبدع وأسلوبه تكادان تتخللان كل جملة فى فصول الكتاب النقدية، على عكس الكتاب التأسيسى الآخر المعاصر له، «الديوان فى النقد والأدب» (1922) لـ «عباس العقاد» و«إبراهيم المازني»، الذى تغيب فيه تماما شاعرية العقاد وحكائية المازنى ولا تجد فى فصوله إلا صرامة الناقد المحلل المُمَحِّص.
هل احترافك أستاذية الجامعة والنقد حرم المبدع بداخلك من حرية الكتابة والنشر كما يعنّ له؟
لا أظن ذلك، فلو كانت عندى موهبة إبداعية قويّة لفرضت نفسها فرضا. ما أتصور أنه عندى هو موهبة إبداعية شخصية ووقتية تطفو إلى السطح من وقت لآخر استجابة لظرف شخصى يبحث عن متنفس خارجى. فيما عدا ذلك فما عندى من إبداع إنما يجد طريقه فى ثنايا الكتابة النقدية، فى التجاوب الجمالى والإنسانى مع الكاتب أو النص موضوع النقد.
الإنتاج الإبداعى لبعض النقاد الكبار يبدو متأنقا أكثر من المعتاد (حليق الذقن وبربطة عنق زاهية وبلا ترهلات) وكأن الناقد يراقب كيبورد المبدع ليقول هذه زائدة، واحذف تلك، وصحّح ودقّق، والزم المعايير؟ حتى ينزع من الابداع عفويته!! أو ما تبدو عفويته؟ هل يحدث لك هذا أحيانا؟
(مثلا رواية «البحث عن وليد مسعود» للناقد الكبير «جبرا إبراهيم جبرا» يغلب عليها الانضباط النقدى بحرفيته، فتوارت عفويات الكتابة وحِيل الكُتّاب وبدَت الصنعة واضحة نسبيا. هل تتفق مع وجهة النظر تلك؟)
نعم أتفق معك فى هذه الملاحظة، وأرى أن جبرا إبراهيم جبرا مثال جيد لما تعنى كما أشرتُ فى إحدى إجاباتى أعلاه. وقد كتبت فصلا عن جبرا فى هذا الخصوص فى أحد كتبى. مراقبة الناقد الداخلى للمبدع أثناء عملية الكتابة أمر ضرورى، ذلك أن أول نقد يتلقاه أى عمل أدبى هو النقد الذاتى الذى يمارسه المبدع خلال عملية الخلق والذى بدونه لوُلدت كل النصوص شائهةً غير مكتملة النمو. هذا النقد أهم من أى نقد يُستقبَل به العمل بعد النشر. عند الكاتب المطبوع تتم هذه العملية بخفة وسلاسة من وراء الكواليس. نجيب محفوظ مثال جيد على ذلك. فهو من أشد الكتّاب وعيا بما يفعل ولا تجد عنده كلمة فى غير موضعها، أو فعلا أو قولا أو وصفا إلا وله وظيفة صغيرة أو كبيرة فى العمل الكلى، لكن هذا كله يحدث بصورة طبيعية لا صنعة فيها ولا تصنّع حتى لتظن أن محفوظ يكتب عفو الخاطر، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، وإنما هى «خفة اليد» الفنية التى تعرف كيف تُلبس الصنعة ثوبا من التلقائية.
تجيد الانجليزية والعربية بدرجات مدهشة، فهل ارتفاع المستوى باللغتين حتمية للعمل بالجامعة والنقد والإبداع؟ وهل ثمّة مهارات تتراكم عفويا أم أنها إرادة يُنمّيها الدأب؟
صياغة سؤالك تنطوى فى ذاتها على عناصر الإجابة جميعا. نحن كبشر لا نوجد إلا من خلال اللغة، منطوقة أو مكتوبة. تَصَوَّرْ يوما نستيقظ فيه جميعا فى أرجاء المعمورة وقد فقدنا مقدرتنا اللغوية حديثا وكتابة، ستكون هذه بداية النهاية للجنس البشرى. لم يحفظ لنا تراث التطور الإنسانى عبر آلاف السنين إلا اللغة. فما بالك بالأدب والنقد اللذين مادتهما الخام هى اللغة، كما أن مادة النحات هى الحجر ومادة الرسام هى الألوان والفرشاة. اللغة حين تصبح أسلوبا ذا صفات جمالية وتخيلية كما عند المبدع والناقد لا بد أن تكون وراءها موهبة. لكن الموهبة وحدها لا شيء ما لم يصقلها وينميها التعليم الجيد وما تسميه «تراكم المهارات» و«الدأب» الذى يأخذ شكل الوعى بالتراث المعرفى الأدبى، أى ما أنتجته الأجيال السابقة من التعامل الجمالى مع اللغة حتى انتهى بها إلى ما هى عليه فى جيلنا. الموهبة وحدها هى «العفوية» والباقى كله جهد ودأب وتحصيل. وفوق كل شيء إيمان بأن اللغة قيمة جمالية مثل الجمال الذى حولنا فى الطبيعة وليست مجرد واسطة للتواصل مثل الأصوات البسيطة التى تتواصل بها المخلوقات الأدنى تطورا من الإنسان.
ما الذى يقارب كتاباتك أكثر فى هذه الأسئلة، وما المحاذير التى تفاديتها طوال الوقت، وما المميزات التى تمسكت بها؟
أعتقد أن كتاباتى تعكس التوتر القائم بين الناقد والمبدع. وفى تقييمى الشخصى لما أكتب أجد أن رضائى عن نفسى يتزايد بقدر ما أحس أن كتاباتى النقدية فيها من الجماليات ما يقترب بها من الإبداع، ويتناقص بقدر ما أحس فيها من جفاف النقد المتشبّه بالعلم.


