حنا عبود.. ناسك المعرفة الذي حمل حمص في قلبه وترك أثره في ذاكرة الثقافة

 يمرٌُ المبدعون  في الحياة الثقافية تاركين كتباً، وهناك من يتركون وراءهم حالة كاملة من الفكر والشغف والبحث. وحنا عبود ينتمي إلى الفئة الثانية؛ إلى أولئك الذين لم تكن المعرفة عندهم مهنة، بل كانت طريق حياة، ورحلة لا تنتهي في عوالم الأدب والفلسفة

من مدينة حمص، المدينة التي أنجبت الكثير من الأصوات الثقافية، خرج حنا عبود حاملاً شغفاً مبكراً بالكلمة والكتاب، وُلد عام 1937 في قرية القلاطية بريف حمص، وعاش طفولة قاسية صقلت شخصيته ومنحته قدرة استثنائية على مواجهة الحياة، قبل أن يجد في العلم والقراءة ملاذاً وسبيلاً لبناء عالمه الخاص.

لم تكن الكتب بالنسبة إليه صفحات جامدة، بل نوافذ مفتوحة على أسئلة الإنسان الكبرى.

 قرأ كثيراً، وترجم أكثر، وكتب في الأدب والنقد والفلسفة والأسطورة، حتى غدا اسمه مرتبطاً بالمثقف الموسوعي الذي لا يكتفي بحقل واحد، بل يعبر بين المعارف بحثاً عن صورة أكثر اتساعاً للعالم.

كان حنا عبود يؤمن بأن الثقافة مسؤولية، وأن دور الكاتب لا يقتصر على إنتاج النص، بل يمتد إلى إشعال الأسئلة في عقول القراء، لذلك جاءت كتاباته حاملةً روح الباحث الذي يمزج بين عمق المعرفة ووضوح الفكرة، وبين الدقة العلمية واللغة القريبة من القارئ.

في النقد الأدبي، قدّم رؤى خاصة حول تطور الأدب العربي واتجاهاته، وفي الترجمة فتح أبواباً أمام القارئ العربي للاطلاع على تجارب فكرية وأدبية عالمي، لم يتعامل مع الترجمة كعملية نقل للكلمات، بل كجسر حضاري تنتقل عبره الأفكار والرؤى بين الشعوب.

ورغم غزارة إنتاجه، بقي حنا عبود قريباً من الناس، متواضعاً في حضوره، محباً للحوار والنقاش. كانت لقاءاته الثقافية أشبه بورش فكرية صغيرة، يجتمع فيها الأدباء والمهتمون حول فكرة أو كتاب أو سؤال جديد، في زمن كان فيه المثقف يحمل همّ المعرفة كما يحمل همّ المجتمع.

ترك وراءه عشرات المؤلفات والدراسات والترجمات، لكنه ترك أيضاً ما هو أبقى من الكتب؛ ترك نموذج المثقف الذي لا يتوقف عن التعلم، والذي يرى في الثقافة فعلاً إنسانياً يضيء الطريق وسط تعقيدات الحياة.

رحل حنا عبود، لكن صوته بقي في المكتبات وبين صفحات كتبه، وبقيت تجربته شاهدة على أن المعرفة الحقيقية لا تعرف حدوداً، وأن الإنسان حين يخلص للكلمة يمكن أن يحول عمره كله إلى أثر ممتد في ذاكرة الأجيال.

إنه حنا عبود؛ ابن حمص الذي حمل الكتاب رفيقاً، وجعل من الفكر بيتاً واسعاً يسكنه الجميع.

أخر المقالات

منكم وإليكم