
بدأ المسرح في حمص مبكراً، متكئاً على شغف المدينة بالفن والثقافة، ليشق طريقه من الصالونات الأدبية والمدارس والجمعيات الأهلية إلى الفرق المسرحية والمؤسسات الثقافية، ويصبح مع مرور العقود واحداً من أبرز ملامح الحياة الثقافية الحمصية
من الصالونات إلى خشبة المسرح
تعود بدايات الحركة المسرحية في حمص إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين احتضنت الصالونات الأدبية والمدارس الخاصة والجمعيات الخيرية العروض الأولى، وكانت النصوص تميل إلى الموضوعات التاريخية والأخلاقية، قبل أن تتسع دائرة الاهتمام بالمسرح ويتحول إلى مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع.
وخلال ثلاثينيات القرن العشرين وحتى خمسينياته، نشطت الفرق الأهلية والشعبية والكشفية والمدرسية، وقدمت عروضاً حملت مضامين اجتماعية ووطنية، ولامست هموم الناس وتطلعاتهم، في وقت كان فيه المسرح إحدى المساحات الثقافية للتعبير عن الموقف الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي.
حين أصبح للمسرح بيت
دخل المسرح الحمصي مرحلة جديدة خلال ستينيات القرن الماضي، مع افتتاح دار الثقافة بحمص عام 1961، التي تحولت إلى مركز مهم لاحتضان العروض والأنشطة المسرحية، بالتزامن مع تأسيس فرقة المسرح العمالي وفرقة المسرح القومي.
وأضفى هذا التحول طابعاً أكثر مؤسساتية على الحركة المسرحية، وفتح المجال أمام تجارب جديدة في التأليف والإخراج والتمثيل، فيما حافظ المسرح العمالي ومسرح الشبيبة على حضورهما، إلى جانب نشاط فرع نقابة الفنانين وجمعية رابطة الخريجين الجامعيين.
مهرجان حمص.. مساحة للقاء والتجريب
وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، شهد المسرح الحمصي مرحلة من الازدهار مع انطلاق مهرجان حمص المسرحي، الذي تحول إلى ملتقى للفرق المسرحية القادمة من مختلف المحافظات، ووفّر مساحة لعرض التجارب الجديدة وتبادل الخبرات.
وخلال هذه المرحلة، تنوعت التجارب بين المسرح الكوميدي النقدي، والمسرح القومي والتاريخي، ومسرح الطفل، وصولاً إلى التجارب التجريبية التي حاولت تقديم أشكال ورؤى إخراجية مختلفة.
ولم يكن الجمهور الحمصي بعيداً عن هذه الحركة، إذ عُرف بتفاعله مع العروض الثقافية والفنية التي احتضنتها مسارح دار الثقافة ودفتر خانة وغيرها، ليشكل حضور الجمهور جزءاً من حيوية المشهد المسرحي في المدينة.
رواد تركوا بصمتهم
وعلى امتداد هذه المسيرة، برز عدد من الفنانين والكتاب والمخرجين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمسرح الحمصي والسوري.
ويأتي محيي الدين البرادعي في مقدمة الرواد الذين ساهموا في تأسيس الفرق المسرحية المبكرة وإخراج أعمال تناولت قضايا اجتماعية ووطنية، فيما شكّل فرحان بلبل أحد أبرز أعلام المسرح الحمصي والسوري في التأليف والإخراج والتنظير، وأسهم في تأسيس فرقة المسرح العمالي بحمص، وقدم أعمالاً مسرحية وكتابات نقدية ونظرية، من بينها كتابه «تطور المسرح العربي».
كما ارتبط اسم زيناتي قدسية بالمسرح القومي والمونودراما، وقدم أعمالاً تناولت القضية الفلسطينية والهوية العربية، بينما ترك حسن عكلا بصمته في المسرح القومي والعمالي ومهرجان حمص المسرحي، إلى جانب دوره في تدريب وصقل تجارب شبابية.
وفي مجال الكتابة والإخراج، برز عبد الكريم عمرين الذي أسهم في التأليف المسرحي والنقد والإخراج، وترك أرشيفاً من النصوص والتجارب، فيما أثرى سامر أبو ليلى المسرح الجامعي والشبابي برؤى إخراجية اتسمت بالتجريب والمعاصرة.
أما الفنان الراحل أحمد منصور، فكان من الأسماء التي ارتبطت بالمسرح الحمصي ممثلاً ومخرجاً، وأسهم في نشاط المسرح العمالي ونقابة الفنانين في المدينة.
خشبة لم تغب عن ذاكرة حمص
لم يكن المسرح في حمص مجرد عروض تقدم على الخشبة، بل كان جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، رافق تحولات المجتمع، وناقش قضاياه، وفتح أمام أجيال متعاقبة من الفنانين والشباب أبواب التجربة والإبداع.
ومن الصالونات الأدبية الأولى إلى المهرجانات والفرق المسرحية، حافظت حمص على علاقتها الخاصة بالمسرح، لتبقى الخشبة شاهدة على ذاكرة مدينة عرفت كيف تجعل من الفن مساحة للحوار، ومن العرض المسرحي حكاية أخرى تضاف إلى حكاياتها الثقافية.


