“الإيمان يبدأ بالضبط حيثما يكف التفكير” — سورن كيركغارد
يمثل الحد الفاصل بين القدرات العقلانية التحليلية والقناعات الميتافيزيقية إحدى أعقد الإشكاليات في تاريخ الفكر الإنساني. سعت الفلسفة إلى إيجاد جسر منطقي يربط بين معطيات العقل وإشراقات الروح، في محاولة لإخضاع المطلق لقوانين السببية والمنطق، وهو ما يفتح المجال للتساؤل حول مشروعية هذا الدمج وما إذا كان يمس جوهر التجربة الروحية ذاتها.
يتناول كيركغارد هذه الإشكالية عبر رسم حد فاصل بين دائرة العقل ودائرة الإيمان. يعتمد التفكير البشري، بحكم تكوينه، على آليات الاستنتاج والقياس والتحليل المنطقي، ويتعامل العقل مع ما هو محتمل أو ما يمكن البرهنة عليه ضمن السياقات المادية والأخلاقية المتعارف عليها. الإيمان، في المقابل، يرفض الخضوع لهذه الآليات، ويطالب الفرد بالالتزام بما هو مستحيل عقلانيا وغير قابل للقياس. يرى كيركغارد أن محاولة إثبات الإيمان بالبراهين المنطقية تمثل خيانة لطبيعته الجوهرية؛ فإذا أمكن للعقل أن يستوعب الفكرة ويبررها، تحولت إلى “معرفة” وفقدت صفتها كـ”إيمان”.
تتأسس التجربة الوجودية عنده على لحظة الانهيار المعرفي، حيث يصل العقل البشري إلى حد تعجز عنده الحجج الفلسفية والأدلة المنطقية عن تقديم إجابة أو تبرير. في هذه اللحظة، يتوقف التفكير، ومن هذا العجز والاستسلام المنهجي للعقل، تنبثق قفزة الإيمان. هذه القفزة خالية من أي ضمانات عقلانية، وتتطلب مخاطرة وجودية، إذ يلقي الفرد بنفسه في المجهول معتمدا على الثقة المطلقة في اللامعقول.
تبرز هذه الأطروحة كموقف نقدي من المدرسة الديكارتية والتيارات العقلانية التي توجت بالنسق الهيغلي. حاولت العقلانية الكلاسيكية تأسيس اللاهوت على قواعد منطقية، وجعل الدين مرحلة قابلة للاستيعاب ضمن التطور العقلي والجدلي للروح المطلق. يفكك كيركغارد هذا التصور، مجادلا بأن إدماج الإيمان في المنظومة المنطقية يسلب الفرد معاناته وشغفه الحقيقي. الإيمان عند كيركغارد يتطلب تجاوز العقل والفهم البشري المعتاد، ويرفض فكرة “استيعاب” المفارقة، مؤكدا ضرورة التعايش معها في قلق مستمر.
تؤكد هذه الرؤية استقلالية المسار الروحي عن المسار الإدراكي. يتطلب الوصول إلى المطلق، بحسب هذا الطرح، التخلي الطوعي عن أدوات القياس البشري، والاعتراف بقصور المنطق عن الإحاطة بالأسرار الكبرى، ليبقى الإيمان مخاطرة شخصية لا تتحقق في قاعات الفلسفة، بل تتوهج في عزلة الذات.
[سورن كيركغورد، الخوف والرعشة: أنشودة ديالكتيكية، ترجمة: قحطان جاسم، دار الرافدين، 2018]
#حدود_العقل #فلسفة_الدين #المفارقة#مجلة ايليت فوتو ارت.


