جماليات بصرية وتفاصيل ملفتة في فيلم باب الحديد اصدار Criterion.

فيلم «باب الحديد»: صراع طبقي وتحفة شاهين المرممةأسامة عبد الكريمتم ترميم فيلم «باب الحديد» رقمياً بدقة 4K ضمن إصدار Criterion، ما أتاح إعادة اكتشاف جمالياته البصرية والتفاصيل الدقيقة التي كانت شبه مفقودة في النسخ القديمة. يعيد الترميم الحياة إلى الأسود والأبيض، ويجعل حرارة الأجساد وضوء الشمس ملموسين أكثر، مؤكداً قيمته كوثيقة فنية وتاريخية. هذه المناسبة تمنح المشاهدين فرصة رؤية الفيلم كما قصده شاهين، مع إبراز القوة الدرامية والرمزية لكل لقطة ومشهد. يُعدّ فيلم «محطة القاهرة» (باب الحديد، 1958) للمخرج يوسف شاهين علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية والعربية، وأكثرها قدرة على كشف تعقيدات المجتمع المصري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. يستهل الفيلم بلقطة لساعة المحطة، مُحوّلاً إياها إلى فضاء انتقالي غني بالدلالات الزمنية والمكانية، حيث تتقاطع مصائر الأفراد وتنكشف الصراعات الاجتماعية والنفسية. كما يعكس الفيلم مرحلة شهدت إعادة تشكيل المجال العام، وبروز الطبقة المتوسطة كحاملة لمشروع التحديث، وميداناً للتوترات المرتبطة بالعمل والسلطة والجسد.منذ فيلم الأخوين لوميير «وصول قطار إلى لا سيوتات» (1895)، احتلت محطات السكك الحديدية موقعاً مركزياً في المخيلة السينمائية، باعتبارها أماكن للقاء والفراق، والصدفة والجريمة، والرحيل والوصول. ضمن هذا التقليد العالمي، يندرج «باب الحديد» إلى جانب أفلام جعلت من المحطة مسرحاً درامياً مفتوحاً، لكنه يذهب أبعد، إذ يصوّر معظم مشاهده في مواقع حقيقية، ويحوّل المكان إلى كيان اجتماعي نابض بالصراع.اختار شاهين أن يؤدي بنفسه الدور الرئيسي، في مغامرة فنية ونفسية جريئة، جعلت من الشخصية محوراً لكشف الهامش الاجتماعي والرغبات المكبوتة. ورغم أن الفيلم عُدّ عند عرضه الأول «أكبر فشل في تاريخ السينما المصرية»، فقد أصبح لاحقاً أول فيلم مصري يرشَّح للأوسكار، وتحفة فنية مفصلية في السينما العربية. يعد فيلم «باب الحديد» لمحمد يوسف شاهين علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، ليس فقط لأنه يروي قصة مكان عبور يومي هو محطة القاهرة، بل لأنه يقدم قراءة سينمائية عميقة للصراعات الاجتماعية والنفسية التي تتشكل داخل هذا الفضاء. استلهم شاهين اسم الفيلم من المحطة التاريخية نفسها، بينما استندت فكرته إلى تجربة الكاتب عبد الحي أديب مع محطة سكة حديد مدينة المحلة، حيث شكلت هذه المحطة في شبابه فضاءً غنياً بالتناقضات الاجتماعية والصراعات اليومية بين الطبقات العاملة والنخبة. يتحوّل المكان من خلفية مألوفة إلى عنصر بصري ورمزي محوري، إذ تعكس حركة الحشود وتقاطعات مساراتهم إيقاع الصراعات الداخلية والخارجية في المجتمع، وتصبح المحطة وعاءً زمنياً مكثفاً تتفجر داخله الصراعات المكبوتة على مدى يوم واحد فقط، ما يمنح الفيلم إيقاعاً مضغوطاً يضغط على الشخصيات والجمهور معاً.يتداخل في الفيلم عدد من الأنماط السينمائية بوعي تام، حيث تمتزج الواقعية الاجتماعية الجديدة التي تضع العمل البروليتاري في الواجهة مع الميلودراما الباردة، ونبرة قاتمة مستعارة من تقاليد الفيلم نوار. ضمن هذا المزج، يدرج شاهين مشهد فرقة روك أند رول داخل عربة قطار، وهو ما يبدو للوهلة الأولى نشازاً، إلا أنه يعكس ولع المخرج بالجسد والحركة كمصدر مؤقت للتحرر ضمن فضاء خانق، ويكشف عن اهتمامه بالمسرحيات الغنائية ودمجها في تجربة سينمائية غير تقليدية. في المقابل، تُقدَّم عناصر النوار من خلال الانحياز إلى شخصية منبوذة نفسيًا، ما يجعل الجمهور يتعاطف مع قناوي المهمّش قبل أن يواجهه بانزلاقه نحو فعل عنف مروّع تغذّيه الكراهية والحرمان الجنسي، لتصبح شخصيته رمزًا للتناقضات النفسية والاجتماعية المكبوتة.يؤدي يوسف شاهين بنفسه دور قناوي، بائع الصحف المعاق الذي يعيش داخل المحطة ويذوب في تفاصيلها اليومية. كوخه الصغير، المزيّن بصور نساء مقتطعة من المجلات، يتحول إلى امتداد بصري لعالمه الداخلي المضطرب، فيما تجسد حنومة، بائعة المشروبات الغازية التي تؤدي دورها هند رستم، حضورًا طاغيًا وحركة جسدية واعية، امرأة تتحرك بحرية نسبية داخل فضاء ذكوري، وتختار الارتباط بـأبو سريح، زعيم العمال مفتول العضلات الذي يؤديه فريد شوقي. تتقاطع هنا شبكة الرغبة والسلطة والطبقة الاجتماعية، فيكشف الفيلم كيف يقصى الضعيف جسدياً واجتماعياً، وتكافأ القوة والتنظيم، ما يجعل من فضاء المحطة مختبراً بصرياً ونفسياً للتحليل الاجتماعي.يتجلى الإتقان السينمائي في لغة الصورة، حيث يخلق مدير التصوير ألفيزي أورفانيلي شعوراً بالضيق والانغلاق داخل عربات القطارات والممرات، بينما تتسرب الضوء والظل لتأكيد الصراعات النفسية المكبوتة للشخصيات. تتسلل الكاميرا أسفل القطارات، وتهبط إلى أنفاق تحت المحطة، حتى يصبح الصندوق الذي يشبه التابوت رمزًا للرعب المكبوت، فيما تُجسَّد المراقبة المستمرة في كل حركة للجسد أو الصوت، فيصبح الحشد العام، أكثر الأماكن وحدة. تضيف الموسيقى التي وضعها فؤاد الظاهري طبقة إضافية من التوتر والملحمة الداخلية، إذ تمزج بين الآلات الشرقية والغربية والكورال لتكون مرآة للتوترات العاطفية والنفسية للشخصيات.لا يقدم الفيلم أبطالًا صافي الأخلاق، بل شخصيات متعددة الأبعاد تتصارع مع الرغبة والقهر والعنف، ليصبح البناء الدرامي متماسكاً وجرئاً، وكاشفاً التناقضات المجتمعية والسياسية. يتضح العمق التاريخي عند وضع الفيلم في سياق صعود جمال عبد الناصر بعد ثورة 1952 وأزمة السويس 1956، حيث تتغير خريطة السلطة والطبقات، ويظهر الفيلم شهادة سينمائية على مجتمع متحول يترك أفراده الأضعف على الهامش. يظهر الفيلم الصراع الطبقي ليس كشعار، بل كواقع يومي يعيش داخل فضاء المحطة، حيث يسعى أبو سريح لتنظيم العمال في نقابة ويواجه مقاومة أصحاب المصالح، بينما تُبرز حنومة وزميلاتها من بائعات المشروبات الغازية هشاشة الوجود الاقتصادي والاجتماعي، وتحوّل المحطة إلى ساحة صراع مفتوح.تبلغ ذروة الفيلم حين تتحول نظرات قناوي من ترقب صامت إلى امتلاك متخيَّل، كاشفاً هشاشة المسافة بين الرغبة المكبوتة والعنف الفعلي. يدمج شاهين الرعب النفسي مع فضاء عام مكتظ وأصوات القطارات كإيقاع قاسٍ، ما يجعل الانعزال والهشاشة انعكاساً للنظام الاجتماعي نفسه، إذ يُكافأ القوة ويُعاقب الضعف، دون أي وعد بالخلاص أو الإصلاح، ليصبح «باب الحديد» دراسة سينمائية متكاملة عن مجتمع يُنتج شخصيات مأزومة، وتتركها وحدها أمام مصيرها، بينما يستمر القطار في السير بلا توقف، مستمراً في تسجيل عبور البشر والزمن والصراعات داخل الفضاء العام. # اسامة عبد الكريم # سينما العالم # مجلة ايليت فو

أخر المقالات

منكم وإليكم