الهون، جماعات من الفرسان القادمين من سهوب أوراسيا، اشتهروا بسرعة الحركة والقدرة على القتال من فوق ظهور الخيل، وظهروا في المنطقة الواقعة شمال البحر الأسود خلال سبعينيات القرن الرابع.
كان وصولهم إلى أطراف العالم الروماني نقطة تحول في توازن القوى على حدود الإمبراطورية.
حوالي عام 375م، هاجم الهون الألان، ثم اصطدموا بالقوط، فبدأت سلسلة من التحركات والهجرات التي غيّرت خريطة أوروبا الشرقية. ومع تقدم الهون، تحركت جماعات جرمانية وغيرها نحو مناطق أكثر أمناً، وكان بعض القوط من بين الذين عبروا نهر الدانوب ودخلوا الأراضي الرومانية بحثاً عن الملجأ والاستقرار.
وهنا بدأت الحدود التي تفصل بين عالم روما والعالم الجرماني تفقد صلابتها.
كانت مشكلة الرومان أنهم لم يواجهو جيشاً واحداً يمكن هزيمته ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه. كانت الإمبراطورية تتعامل مع شعوب تتحرك بأعداد كبيرة، تدخل أراضيها، تستوطن داخلها، وتتحول تدريجياً إلى جزء من الحياة السياسية والعسكرية للإمبراطورية.
وفي عام 378م، ظهر حجم الأزمة بوضوح عندما واجه الجيش الروماني القوط في معركة أدرنة، وانتهت المعركة بكارثة عسكرية كبرى ومقتل الإمبراطور فالنس.
ومع مرور العقود، أصبح الهون أنفسهم قوة سياسية وعسكرية ضخمة في أوروبا.
ثم ظهر أتيلا.
منذ أربعينيات القرن الخامس، بدأ أتيلا يوسع نفوذ الهون ويضغط على الإمبراطورية الرومانية الشرقية والغربية، مستخدماً مزيجاً من القوة العسكرية والتهديد والمفاوضات والمطالب المالية.
وفي عام 451م، اتجه إلى بلاد الغال.
كان الهدف هذه المرة غزو الأراضي الرومانية في الغرب، فتحرك جيش هوني ضخم عبر وسط أوروبا، وسقطت مدن ومناطق أمام تقدمه، بينما أخذ سكان مناطق مختلفة بالفرار أمام الخطر.
لكن في بلاد الغال وجد أتيلا خصماً مختلفاً.
كان القائد الروماني فلافيوس أيتيوس يعرف الهون جيداً، واستطاع أن يجمع قوة لم تكن رومانية خالصة. انضم إليه القوط الغربيون بقيادة الملك ثيودوريك الأول، إلى جانب الألان والبورغنديين وقوى أخرى.
كان المشهد مفارقاً لتاريخ العقود السابقة.
شعوب جرمانية كانت قد دخلت الإمبراطورية في ظروف مضطربة أصبحت الآن تقاتل إلى جانب الرومان للدفاع عن بلاد الغال في مواجهة أتيلا.
وفي سهول كاتالوني، عام 451م، التقى الجيشان.
كانت المعركة من أعنف معارك القرن الخامس. امتدت المواجهة بين الرومان وحلفائهم من جهة، وقوات أتيلا وحلفائه من جهة أخرى. وقُتل ثيودوريك أثناء القتال، لكن القوط واصلوا المعركة، وتمكنت قوات التحالف من دفع جيش أتيلا إلى معسكره مع حلول الليل.
لم تُمحَ قوة الهون في تلك اللحظة، ولم تكن المعركة نهاية إمبراطوريتهم، لكنها أوقفت تقدم أتيلا في بلاد الغال وأجبرته على الانسحاب.
وبعد عام واحد فقط، عاد أتيلا إلى الغرب، وهذه المرة غزا إيطاليا.
ثم انتهى عهده سريعاً.
مات أتيلا عام 453م، وبعد موته دخلت مملكته في صراعات داخلية، وتفككت قوة الهون خلال سنوات قليلة.
أما أوروبا التي تركها وراءه، فقد كانت قد تغيرت.
فالقبائل التي تحركت تحت ضغط الهون أصبحت داخل حدود الإمبراطورية أو على تخومها، وبعضها أسس لاحقاً ممالك مستقلة فوق الأراضي الرومانية.
كان العالم القديم يدخل مرحلة جديدة.
روما ما زالت قائمة، ومدنها وطرقها ومؤسساتها ما زالت تعمل، لكن القوة التي حافظت على وحدتها كانت تتآكل. وعلى حدودها، كانت الشعوب التي دخلت أراضيها كمهاجرين ومحاربين بدأت تتحول إلى قوى سياسية تملك ممالكها وجيوشها.
وبعد عقود قليلة، ستسقط الإمبراطورية الرومانية الغربية.
وحينها ستظهر على أنقاض عالمها السياسي ممالك جديدة، كان من بينها مملكة الفرنجة في بلاد الغال.
ومن هنا يبدأ فصل جديد من القصة.
#حقبة تاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت


