#حمص باب هود
جامع الزاوية… لماذا تشرح بعض الأبنية القديمة الصدر؟
في حمص القديمة، حيث تختلط الذاكرة بالحجر، يقف جامع الزاوية بهدوءٍ لا يشبه هدوء الأبنية الحديثة.
قد ترى أبنيةً أكبر منه.
وقد ترى جوامع أحدث وأفخم وأكثر زخرفة.
لكن قلّما تجد مكاناً يمنحك ذلك الشعور الغريب الذي يمنحك إياه جامع الزاوية.
شعور الألفة.
وشعور السكينة.
وشعور أنك تعرف المكان قبل أن تعرف تفاصيله.
تدخله للمرة الأولى…
لكن ينتابك إحساسٌ أنك دخلته من قبل.
وتصلي فيه أول صلاة…
وكأنك صليت فيه مراتٍ كثيرة.
لا لأنك رأيته في صورة أو سمعت عنه في حديث.
بل لأن بعض الأماكن تحتفظ بشيءٍ من أرواح الزمن.
فالإنسان يترك أثره في المكان، كما يترك المكان أثره في الإنسان.
وعندما تتعاقب الأجيال على موضعٍ واحد للصلاة والذكر والدعاء، يصبح للمكان حضورٌ خاص لا تصنعه الزخارف ولا مواد البناء.
هنا يكمن سرّ جامع الزاوية.
فالحجر القديم لا يحمل شكله فقط.
بل يحمل عمره.
ويحمل آثار الأيدي التي وضعته.
وأقدام المصلين الذين عبروا إليه.
ودموع الداعين الذين وقفوا بين جدرانه.
وأصوات المؤذنين الذين ارتفعت نداءاتهم من مئذنته عبر عشرات السنين.
لقد شهد الجامع أعمال تطوير وإضافات معمارية عبر الزمن، وأضيفت إليه عناصر حديثة جميلة تخدم رسالته وتلبي حاجات المصلين، بينما بقيت مئذنته التاريخية شامخة تروي قصة المكان.
ومع ذلك، يبقى للقديم حضوره المختلف.
ليس لأن الجديد أقل جمالاً.
بل لأن الزمن لا يمكن بناؤه من جديد.
فالقبة يمكن أن تُشيَّد في أشهر.
والجدار يمكن أن يُبنى في أيام.
أما مئة عامٍ من الصلاة والدعاء والذكر فلا يمكن اختصارها أو استعادتها.
ولهذا كان الترميم دائماً أرقى من الاستبدال.
لأن الترميم لا يحافظ على الحجر فقط…
بل يحافظ على الذاكرة.
ويحافظ على الروح التي تشكلت في المكان عبر الأجيال.
إن جامع الزاوية ليس مجرد مسجدٍ أثري.
بل شاهدٌ على تاريخ حيّ كامل.
وعلى أجيالٍ من أبناء حمص الذين التقوا تحت سقفه، وصلّوا بين جدرانه، وتركوا فيه شيئاً من أرواحهم.
ولهذا عندما نقف أمامه لا ننظر إلى بناءٍ قديم فحسب.
بل ننظر إلى زمنٍ ما زال حاضراً.
ونشعر أن الماضي ليس شيئاً انتهى…
بل شيئاً ما زال يعيش بين هذه الحجارة.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الجوامع القديمة تشرح الصدر قبل أن تسرّ العين.
لأنها لم تُبنَ بالحجر وحده…
بل بُنيت بالصلاة.
وبالذكر.
وبالزمن.
وبمحبة الناس لها جيلاً بعد جيل.
فإذا كانت الحجارة تحفظ التاريخ، فإن الأرواح هي التي تمنح المكان حياته.
وهذا ما يجعل جامع الزاوية أكثر من جامعٍ قديم…
إنه ذاكرة حمص وهي ما تزال تصلي.
#y_z_r
#حمص_الأسطورة#مجلة ايليت فوتو ارت.


