ثلاث سرديات في فيلم واحد يقدم عبرها ،المخرج الأميركي جيم جارموش عديدًا من القصص.اب، ام ،اخت، اخ.

أب، أم، أخت، أخ”: ماذا تبقى من الحبّ العائلي؟

ندى الازهري"أب، أم، أخت، أخ": ماذا تبقى من الحبّ العائلي؟

جيم جارموش يدرك جيدًا خفايا العائلة، تعقيداتها وآلامها وأحيانًا مباهجها، يخيّب آمالًا بكشفٍ دقيق لسلوك أفرادها. يعود في قصص ثلاث في فيلم واحد لكن ليسرد عبرها عديدًا من القصص، تلك التي لا تحتاج إلى كلمات كثيرة، ولا إلى أوصاف، بل إلى عين لاقطة وإحساس مرهف وإدراك عميق للكائن الإنساني.
في “أب، أم، أخت، أخ” فيلمه الروائي الأخير الفائز بالأسد الذهبي في مهرجان البندقية 2025 كأفضل فيلم والمعروض حاليًّا في الصالات الفرنسية، يقسّم المخرج الأميركي السرد إلى ثلاثة أجزاء تستكشف علاقات معقدة بين الأبناء البالغين ووالديهم، إضافة إلى العلاقات بين الأبناء أنفسهم. ثلاث قصص مستقلة في أبطالها وأمكنتها، لكنها تنويع على موضوع واحد يروي تحوّل العلاقات الأسرية في ظلّ مرور الزمن، وما يترتب عليه من ارتباك وتباعد، ندم وشعور بذنب. يحشد كبار الممثلين ليؤدوا ببراعة أدوارًا تُدهش في بساطتها الأولى وتُدهش أكثر في تعدد طبقاتها. يتنقل بين خفة الدعابة وثقل الكشف، فيجسّد بأسلوب طريف وسلس لحظة اجتماع عائلة وطبيعة ما يجمع أفرادها من صلات وما طرأ عليها من تغيرات. كيف، مثلًا، يراقب الآباء والأبناء بعضهم بعضًا في اللقاء، يعيدون تواصلًا انقطع أو يحاولون بناء حوار غالبًا ما يكون محرجًا ولا يخرج عن نطاق تبادل المجاملات والأسئلة التقليدية.
يربط جارموش بين القصص الثلاث على اختلاف شخصياتها ومواقعها، بأدوات بصرية وكلامية، مثل صدفة الملابس المتطابقة الألوان لأفراد العائلة الواحدة، صور طفولة سعيدة تزين منازل الآباء، وأثر يبقى فطريًا في الأبناء متوارثًا في بعض السلوك (كذب، تحايل…)، كل عنصر موظف في السرد بما يخدم الفكرة: السيارات، البيوت، الأزياء، تسريحة الشعر (آدم درايفر في تسريحة تضفي على شخصيته براءة ورقّة مطلوبتين)…
أول ما ينطلق الفيلم من الأب.

القصة الأولى: الأب ينتظر الأبناء 


في القصة الأولى، رجل أرمل عجوز غريب الأطوار، يؤدي دوره الأميركي توم ويتس، يقطن في منزل معزول في نيوجرسي. يستعد الأب بهيئة توحي بمسْكَنَة، شعر منفوش وثياب متواضعة وتعبير قلق مرتبك، لاستقبال ابنيه، جيف (آدم درايفر) وإيميلي (مايم بياليك). تنتقل الكاميرا باستمرار بين الأخوين في السيارة وبين داخل البيت حيث الأب يغير مواضع الأشياء لهدف لن يُعرف إلا في النهاية خالقًا فوضى حقيقية. يسوق جيف عبر طرق برية ضيقة على حوافها ثلج كثير، سيارة رباعية الدفع. يعبر لشقيقته في حوار بسيط عن قلق بشأن والدهما وما إذا كان ينقصه أي شيء ويكشف عن تواصل منقطع بينهما رغم وفاق. يبدوان من الطبقة الوسطى، عاديين في كل شيء، مظهرهما وكلامهما مع اختلاف واضح في شخصيتهما يتجلى أكثر فأكثر مع تقدم السرد. فيبدو الابن أكثر حنيّة وكرمًا ويمكن القول براءةً في تصديق كل ما يسمع من الأب، والأخت أكثر دهاءً وحيطة، وتحيل في هذا إلى شبه بوالدهما. لقاء الثلاثة يحفل بكثير من لحظات صمت وحرج. وفي هذا المكان الساحر بإطلالته على بحيرة، كل شيء يوحي بسكينة إلا هذه العلاقة المرتبكة بين الجميع، وهذا البحث عن كلمات تدفئ برودًا. لحظات مهما طالت لا يصاحبها أدنى شعور بملل. فهذا المخرج في تصويره للطبيعة الإنسانية بأسلوب بسيط وعميق يمسك بخيوط الشخصيات والمواقف، يحركها وينطقها في الوقت المناسب بحيث يخلق جوًّا من ترقب عند كل كلمة ونظرة وحركة. مانحًا في الآن نفسه إشارات واضحة لخصائص كل شخصية. لأب غامض وباعث على الشك بنواياه، وابنة ساخرة شكاكة، وابن يشعر بالذنب تجاه الأب، محبّ لا يبخل ولا يشك لحظة في كون غموض والده هو تعبير عن نزاهة مفقودة. مشاهد لقاء بتعبيرها المكثف وشخصياتها المختارة بعناية فائقة وكلماتها المقتصدة الدالة تلخص حالات لا تحصى من أبناء وبنات وآباء. وتلمس الأعماق بما تتيحه من تعبير مرهف عن النفس الإنسانية الشائكة.

“يتنقل جارموش بين خفة الدعابة وثقل الكشف، فيجسّد بأسلوب طريف وسلس لحظة اجتماع عائلة وطبيعة ما يجمع أفرادها من صلات وما طرأ عليها من تغيرات”




في القصة الثانية “الأم” التي تدور في حي راقٍ في دبلن، تعدّ سيدة مسنة أنيقة وكاتبة روايات عاطفية (شارلوت رامبلنغ) مائدة ومأكولات فاخرة لشاي العصر انتظارًا للقاء السنوي مع ابنتيها تيموثيا وليليث (كيت بلانشيت وفيكي كريبس)، اللتين تختلفان اختلافًا جذريًا شكلًا وفكرًا. تحفل العلاقة هنا أيضًا بكثير من ارتباك في إيجاد موضوع للحديث وتحايل لتقصير اللقاء وشيء من كذب. لكن في قصته الثالثة الأكثر عاطفية يتناول المخرج العائلة من وجه آخر. فبعد أن أظهر من خلال لقاءين عائليين قصيرين طبيعة العلاقة بعد أن يكبر الأبناء ونوعية الروابط التي تجمعهم مع الآباء والأمهات ومع الإخوة وتُطرح فيهما تساؤلات حول ما تبقى من هذا الحبّ وتلك السعادة الظاهرين في صور الطفولة المعلقة، فإنه في الفصل الثالث يصوّب اهتمامه إلى زاوية أخرى يصبح معها اللقاء مستحيلًا في قصة مؤثرة عن الأبناء بعد فقدان الآباء.

القصة الثانية: الأم ومعها الابنتان 


يجتمع أخ وأخت توأمان (لوكا سابات وإنديا مور) بعد وفاة والديهما المغامرين في حادث. في زيارة أخيرة لشقتهما الباريسية التي قضيا فيها طفولتهما يسترجع الأخوان بتأثر بالغ وبعد فوات الأوان ماضيًا ذهب ووالدين غادرا بلا رجعة، يتذكران بحسرة موجعة علاقة لم يُلقَ بالًا إليها وحبًّا أُهمل عن غير قصد، وندمًا على لقاءات لم تتم…
في هذه الفصول الثلاثة المتقنة الصنع، يعود جيم جارموش إلى أسلوب سبق له استكشافه في فيلمي “ليلة على الأرض” (1991) و”قهوة وسجائر” (2003) ويترك هنا عميق الأثر في تصويره للعائلة بكلّ هذه الرقة والأناقة وبشيء من طرافة تخفف من ثقل كشف علاقات تدهورت وما تبثّه من مشاعر أسى واختناق. وفي أسلوب رائع وبلمسات دقيقة يتمكن، بتركيزه على لحظة محددة قصيرة من اجتماع عائلي، من تسليط الضوء في كل جزء على جانب مختلف من جوانب الأسرة، مبديًا عبر لحظات الصمت والنظرات المحرَجة، والملاحظات العابرة، والإيماءات الدالة، هذا الرابط الخفي بين أفراد العائلة وهذه الأحاسيس المكتومة. يبرع في تصوير اللا محكي والأكاذيب والخداع، ولكن أيضًا الحبّ والندم وما يجمع العائلة وما يفرقها في كل الأمكنة. وكأن تبدل الأمكنة لا يمنع تشابه الأحوال. سواء في نيوجرسي أو دبلن أو باريس تبقى العائلة بمشاعرها ومشاكلها وتساؤلاتها. فماذا يحلّ بها بعد أن يكبر الأبناء ويشقوا دروبهم الخاصة وما تغدو طبيعة العلاقات التي تجمعهم، وما يتبقى من الحب الذي غمرهم في طفولتهم؟ وهل ما يزال لديهم ما يقولونه لبعضهم ويتشاركونه؟ في قصصه يُبدي العائلة، مع كل تفككها وسوء الفهم والتفاهم، ولكن أيضًا مع حنانها وانغلاقها على مشاعرها، بدون مواعظ ورسائل وهذا بفضل كتابته المتكاملة وإخراجه المحكم.
في نهاية كانون الأول/ ديسمبر الفائت أعلن المخرج الأميركي عن نيته التقدم بطلب للحصول على الجنسية الفرنسية. وقال في مقابلة مع إذاعة “فرانس أنتير” الفرنسية: “أودّ أن يكون لدي مكان آخر أستطيع فيه الهروب من الولايات المتحدة”!

أخر المقالات

منكم وإليكم