النزعة الإنسانية في الفن التشكيلي التونسي المعاصر تُتيح قراءة النزعة الإنسانية في الفن التشكيلي التونسي المعاصر فهماً أعمق للتحولات التي عرفها الحقل البصري في تونس، حيث لم يعد العمل الفني يُقرأ بوصفه بنية جمالية مستقلة، بل بوصفه ممارسة رمزية تنتج المعنى داخل سياق اجتماعي وتاريخي محدد. فالفنان التونسي المعاصر يتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الاستعمارية، وبناء الدولة الوطنية، وضغوط العولمة الثقافية، والتحولات السياسية التي أعادت صياغة موقع الإنسان داخل المجال العام. ومن ثمّ، فإن النزعة الإنسانية هنا لا تُختزل في تمثيل الوجه البشري أو الجسد، بل تتمثل في إعادة الاعتبار للذات الإنسانية باعتبارها محور التجربة البصرية ومصدر شرعيتها الرمزية.من منظور سوسيولوجيا الفن، يمكن القول إن هذا التوجه يعكس انتقالاً من الوظيفة الزخرفية والتمثيلية إلى وظيفة نقدية تسعى إلى مساءلة البنى الاجتماعية وإعادة تأويلها. فاللوحة تتحول إلى فضاء لإنتاج خطاب حول الكرامة والهشاشة والذاكرة، وتغدو الأجساد المرسومة علامات دالة على التفاوت الاجتماعي والاغتراب الحضري، بينما تتحول الفضاءات المعمارية إلى حوامل للذاكرة الجماعية والتاريخ الاجتماعي. إن حضور الإنسان في هذه الأعمال ليس حضوراً وصفياً، بل هو حضور دلالي يعكس التوتر بين الفرد والبنية، وبين الذات وسلطة الواقع.في هذا السياق، يمكن قراءة تجربة نجيب بلخوجة باعتبارها اشتغالاً على المدينة المتوسطية بوصفها فضاءً إنسانياً مشحوناً بالذاكرة، حيث تتحول البياضات المعمارية إلى رموز لاقتصاد العيش المشترك وللتماسك الاجتماعي. أما ناصر السويسي فيستثمر التجريد بوصفه لغةً لتفكيك استقرار الشكل، بما يعكس هشاشة الإنسان المعاصر وتصدع يقيناته. وفي تجربة نجا المهداوي يتحول الحرف العربي إلى بنية بصرية كونية، تُنتج معنى إنسانياً يتجاوز الحدود اللغوية، ويعيد وصل الجمالي بالروحي في أفق إنساني شامل.كما تتجلى النزعة الإنسانية في أعمال فتحي بن زكري التي تستحضر الوجوه الشعبية بوصفها أرشيفاً بصرياً للذاكرة الاجتماعية، حيث تتجاور ملامح التعب مع دلالات الصمود والكرامة. بينما تنشغل أعمال هشام بن عمار بتحولات الذات داخل فضاءات التهميش والهجرة، مقدمةً رؤية بصرية تُظهر الإنسان بوصفه كائناً معلقاً بين الانتماء والاقتلاع.إن النزعة الإنسانية في هذا الفن تتقاطع مع ما يمكن تسميته «جمالية الاعتراف»، حيث يتحول العمل التشكيلي إلى وسيلة رمزية لإعادة الاعتبار للفئات المهمشة وللتجارب الصامتة داخل المجتمع. فاللوحة هنا ليست تمثيلاً للواقع، بل ممارسة نقدية تُفكك آليات التشييء وتعيد للإنسان مركزية حضوره داخل المخيال الاجتماعي. وهكذا يغدو الفن التشكيلي التونسي المعاصر فضاءً لإنتاج المعنى الاجتماعي، ومختبراً بصرياً لفهم الإنسان في علاقته بالذاكرة والسلطة والهوية، بما يرسّخ موقعه داخل أفق إنساني يتجاوز المحلي نحو الكوني.


