تمتلك منصات التواصل الاجتماعي دور توعوي ام انها بلا روح وساحة لصناعة وترويج الفراغ .؟

وسائل التواصل الاجتماعي بين صناعة الأجيال وصناعة التفاهة🌿لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ نطل منها على العالم، بل أصبحت مرايا نرى فيها أنفسنا كما نحب أن نُرى، أو كما يُراد لنا أن نكون. هي ساحةٌ مفتوحة، لكنها ليست بريئة، ومنصةٌ متاحة، لكنها ليست محايدة تمامًا. ففي ظاهرها حرية، وفي باطنها توجيه خفي، تقوده خوارزميات لا تبحث عمّا يُصلح الإنسان بقدر ما تبحث عمّا يجذب انتباهه.والإنسان بطبعه يميل إلى السهل الممتع، إلى ما يدهشه بسرعة ولا يتعبه بالتفكير. وهنا تبدأ الحكاية… حين يصبح العميق ثقيلاً، والسطحي خفيفًا، ويُعاد تشكيل الذوق العام على مقاس اللحظة لا على مقياس القيمة. فلا عجب أن نرى التفاهة تُرفع على الأكتاف، لا لأنّها عظيمة، بل لأنّها خفيفة وسهلة العبور إلى العقول.إنّها ليست فوضى عشوائية كما تبدو، بل صناعة تُتقن لعبة الانتشار. يُدفع بالمحتوى السطحي إلى الواجهة، فيحصد التفاعل، ويُكافأ صاحبه بالشهرة، بينما يقف صاحب الفكرة العميقة على الهامش، ينتظر من يُصغي. ومع تكرار المشهد، تألف الأعين ما كانت تستنكره، ويصبح المألوف هو المعيار، لا الصحيح.وفي خضم هذا الضجيج، تختل الموازين… فلا يُقاس النجاح بما يُقدَّم، بل بما يُشاهَد، ولا تُوزن القيمة بما تُحدثه في الواقع، بل بما تحصده من إعجابات. وهنا ينشأ جيلٌ يربط قيمته الذاتية برقمٍ على الشاشة، فإن ارتفع انتفخ، وإن انخفض انكسر. فيتسلل القلق إلى النفوس، وتنمو المقارنات في الخفاء، حتى يُصبح الإنسان غريبًا عن ذاته، أسيرًا لصورةٍ لا تشبهه.وليس الأثر نفسيًا فحسب، بل يمتد إلى طريقة تفكيرنا ذاتها. فقد اعتدنا السرعة حتى صرنا نستثقل التمهل، وهربنا من الملل حتى فقدنا القدرة على التأمل. مع أنّ الملل، في حقيقته، ليس فراغًا قاتلاً، بل فسحةٌ يولد فيها الفكر، وتنضج فيها الفكرة. لكن حين تُملأ كل لحظة، يذبل العمق، ويعلو السطح.أمّا العلاقات، فقد أصابها من هذا التغيير نصيب الأسد. تواصلٌ كثير، لكنه بلا روح. كلماتٌ حاضرة، لكن مشاعرٌ غائبة. نجلس معًا، لكن كلٌّ منا غارق في عالمه الصغير خلف الشاشة. فصنعت هذه الوسائل وهم القرب، بينما اتسعت مسافات البعد في القلوب.ومع ذلك، ليس في الأمر حكمٌ بالإدانة المطلقة، فالأداة تبقى أداة، والخلل في يد من يستخدمها. فمن الناس من جعل منها سلّمًا يرتقي به، ومنهم من جعلها حفرةً يسقط فيها. هي سيفٌ ذو حدين، يرفع من يُحسن حمله، ويُثقل من يسيء استخدامه.ومن هنا تبدأ صناعة الأجيال… لا بالوعظ الجاف، ولا بالصوت المرتفع، ولا باللوم الهدام، بل بالفهم العميق. بفهم النفس البشرية، وما يجذبها، وكيف يمكن أن نُقدّم الفكرة الهادفة في ثوبٍ جميل، ينافس ولا ينعزل. فالمعركة اليوم ليست بين الحق والباطل فقط، بل بين الجاذبية والجمود، بين من يُحسن العرض ومن يكتفي بصحة الفكرة.وتبقى الأسرة حجر الأساس، لا لتمنع، بل لتُوجّه. فالمنع قد يؤجل المشكلة، لكنه لا يحلها. أمّا التوجيه فيبني وعيًا، والقدوة تُرسِّخ ما تعجز عنه الكلمات. فلا يُعقل أن نطلب من أبنائنا أن يبتعدوا عن الشاشات، ونحن أول الغارقين فيها.وكذلك صُنّاع المحتوى، فهم ليسوا مجرد ناقلين، بل صُنّاع وعي. كل كلمة تُنشر، وكل فكرة تُعرض، هي لبنة في بناءٍ كبير، إمّا أن تُقيمه أو تُصدِّعه. فالمسؤولية هنا أخلاق قبل أن تكون مهارة.وفي نهاية المطاف، لا مفر من التوازن… فوسائل التواصل الاجتماعي لا هي عدوٌّ يُحارب، ولا صديقٌ يُؤتمن بلا وعي. هي أداة بين أيدينا، فإن أحسنَّا استخدامها، صنعت منا جيلًا واعيًا، وإن أسأنا الاستخدام، صنعت منا نسخًا مكررة بلا روح ولا أخلاق ولا هوية.والحقيقة التي تستقر في العمق: وسائل التواصل لا تصنع التفاهة، لكنها تُضخّمها. ولا تصنع الوعي، لكنها تُنير طريقه لمن يبحث عنه.فالقضية ليست فيما بين أيدينا… بل فيما نصنعه نحن بما بين أيدينا✅️💯.#صُنّاع_الحكمة# مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم