كيف فسّر ابن خلدون النبوة والوحي؟لم يقتصر النظر الإسلامي في قضايا الغيب على الجدل اللاهوتي، بل شهد محاولات لفهم آليات الإدراك البشري خارج حدود الحواس. يبرز عبد الرحمن ابن خلدون في هذا المضمار كأحد أهم المفكرين الذين قدموا تشريحا سيكولوجيا لظاهرة التنبؤ والوحي، مؤسسا نظرية تعتمد على دراسة طبائع النفوس البشرية وتصنيف قدراتها الإدراكية بعيدا عن التفسيرات الخرافية.تضرب نظرية ابن خلدون جذورها في الفهم الفلسفي لثنائية الإنسان، الجسد والروح. يقرر ابن خلدون أن النفس البشرية، في أصل تكوينها، كائن روحاني ينتمي إلى “الملأ الأعلى” (عالم الغيب والمجردات)، وهي مفطورة بطبيعتها على إدراك ذلك العالم. يكمن العائق الوحيد أمام هذا الإدراك في انغماس النفس داخل البدن وارتباطها بالحواس. ولتفسير كيف تكسر بعض النفوس هذا العائق، يطرح ابن خلدون تصنيفا ثلاثيا للبشر بناء على قدرتهم على الانسلاخ من الحواس.يمثل الصنف الأول غالبية البشر. تعجز نفوس هذا الصنف عن بلوغ الإدراك الروحاني في حالة اليقظة نظرا لسيطرة الحواس الظاهرة، وتجد منفذها الوحيد نحو الغيب أثناء النوم، حين تتعطل الحواس وتستريح، فتتمكن النفس من الانفلات مؤقتا والاطلاع على بعض مغيبات اللوح المحفوظ. يشبه هذا حال شخص يعيش في غرفة مغلقة النوافذ، لا يستطيع النظر إلى الخارج إلا من ثقب صغير ينفتح لبضع لحظات حين ينقطع التيار الكهربائي عن الغرفة.أما الصنف الثاني فيضم أصحاب المجاهدات الروحية كالمتصوفة، والكهان، وحتى المجانين. يمتلك هؤلاء استعدادا فطريا للتخلي عن الحواس في حالة اليقظة، سواء كان هذا التخلي إراديا عبر العزلة والرياضة الروحية، أو قسريا بسبب اختلال العقل. تتجاوز نفوسهم مدارك البشر العاديين، غير أن إدراكهم للغيب يبقى ناقصا ومشوشا؛ إذ تتدخل قواهم الخيالية والبدنية في تفسير ما يتلقونه، فتحتاج رؤاهم وتنبؤاتهم إلى فك رموز أو تظل عرضة للخطأ والتلبيس.الصنف الثالث هو صنف الأنبياء. يرى ابن خلدون أن النفوس النبوية تمتلك قدرة فطرية على الانسلاخ التام من بشريتها المؤقتة لتتحول في لمحة بصر إلى الملائكية. لا يحتاج النبي إلى تعطيل حواسه أو الدخول في غيبوبة كما يفعل الكهان، بل ينسلخ من ذاته البشرية ليصير مَلكا في الملأ الأعلى، يتلقى المعرفة المباشرة، ثم يعود لتبليغها للبشر. يمثل هذا الانسلاخ عند ابن خلدون ذروة التطور الروحاني، حيث تغيب العوائق الحسية والخيالية التي تشوش على الإدراك.قدم ابن خلدون بهذا التصنيف خريطة سيكولوجية تحدد مسارات العقل البشري في رحلته نحو المجهول. لم ينكر الغيب، لكنه وضع لآليات الوصول إليه ضوابط، جاعلا من النبوة قمة الهرم السيكولوجي، ومحددا مساحات الوهم والتخيل في الممارسات البشرية الأخرى.__________عبد الرحمن بن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (المقدمة)، الجزء الأول، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، 2001][د. توفيق الطويل، التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام، دار إحياء الكتب العربية، 1945]#ابن_خلدون #علم_النفس_القديم #فلسفة_الروح#مجلة ايليت فوتو ارت .

