تسعير ضوء النهار وفرض ضريبة على الهواء النقي،في أواخر القرن السابع عشر بانكلترا.

لطالما تفنن جباة الأموال عبر العصور في ابتكار أساليب لملء خزائن الملوك، وتفتق ذهن السلطات الإنجليزية في أواخر القرن السابع عشر عن فكرة تجاوزت حدود المألوف. إذ قرروا تسعير ضوء النهار وفرض ضريبة على الهواء النقي. تحولت النوافذ، تلك الفتحات البسيطة التي تصل الإنسان بالعالم الخارجي، إلى عدّادات مكلفة تسحب المال من جيوب المواطنين مع كل شعاع شمس يقتحم غرفهم.أبصر هذا القانون الغريب النور على يد الملك “ويليام الثالث”، باحثاً عن مورد سريع لتمويل حروبه المستمرة وتغطية عجز خزينته. استندت الفكرة إلى منطق طبقي مباشر يربط حجم الثروة بعدد نوافذ المنزل. فالأغنياء يمتلكون قصوراً بواجهات زجاجية واسعة، والفقراء يسكنون أكواخاً معتمة بفتحات قليلة. مثّل هذا القانون حلاً عملياً لمفتشي الضرائب، حيث أتاح لهم تقدير قيمة الجباية من الشارع الخارجي بمجرد إحصاء الفتحات الزجاجية، متجنبين بذلك الاقتحامات المرفوضة شعبياً للمنازل أو تفتيش الدفاتر المالية الشخصية.واجه الإنجليز هذا العبء المالي ببراغماتية قاسية وحلول معمارية يائسة. سارع أصحاب المنازل، وأرباب العائلات، وحتى ملاك العقارات السكنية الكبرى، إلى جلب الطوب والجص، وشرعوا في سد نوافذهم بإحكام لتقليل العدد الإجمالي للفتحات والتهرب من الشريحة الضريبية المرتفعة. غابت الملامح الجمالية المتناسقة للواجهات الجورجية، حيث تلاشت التناسق والتوازن المعماري أمام مساحات صماء من الطوب لتغرق آلاف المنازل في عتمة اختيارية فرضتها قسوة القوانين، مفضلين العيش في الظلام الدامس على دفع ضريبة تفوق طاقاتهم.ترك هذا الإغلاق القسري تداعيات كارثية تجاوزت تشويه العمارة لتضرب صميم الصحة العامة. تحولت المباني السكنية المكتظة بالطبقة العاملة في لندن والمدن الكبرى إلى سراديب رطبة وخانقة، تغيب عنها التهوية وتستوطنها العفونة. حصدت أوبئة الكوليرا، والتيفوئيد، والسل أرواح الآلاف من سكان تلك الغرف المظلمة، وانتشرت أمراض العظام كالكساح بين الأطفال نتيجة الحرمان الطويل من فيتامين د وأشعة الشمس، ليتحول مسعى سد العجز المالي إلى أزمة وبائية فتكت بأرواح الطبقات الكادحة.استمرت هذه المعاناة لأكثر من قرن ونصف، حتى تضافرت جهود الأطباء والمصلحين الاجتماعيين لإسقاط هذا التشريع الكارثي في منتصف القرن التاسع عشر. ومع ذلك، تحتفظ شوارع بريطانيا وأيرلندا حتى يومنا هذا بندوب تلك الحقبة. إذ لاتزال تقف “النوافذ العمياء” المسدودة بالطوب في واجهات المباني العتيقة الى اليوم.# حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم