تحنيط العقل ،ضمن سجن اليقين الوهمي.

المومياء الفكرية: حين يتحنّط العقل في أكفان اليقين المطلق في متحف التاريخ الإنساني الشاسع، حيث تُعرض مآسي البشر وانتصاراتهم جنباً إلى جنب، تقف “المومياء الفكرية” شاهداً صامتاً على جريمة لا تُغتفر: جريمة وأد السؤال، وتحنيط العقل في توابيت من اليقين الوهمي. إنها ليست مومياء مصرية تلفها أكفان الكتان، بل مومياء أشد غرابة، تلف نفسها طواعية بأكفان من الأوهام، وتعتقد، في غمرة جمودها، أنها بلغت قمة المعرفة. هذه هي الدوغمائية، هذا الجمود والتحجر الفكري، وهذا الإيمان الأعمى بامتلاك الحقيقة المطلقة دون دليل، ودون أن يمر على العقل طيف شك أو نسمة تساؤل. إنها صنمية العقل، حيث يتحول الفكر إلى حجر، والإنسان إلى تمثال يعبد ظله.الدوغمائي ليس مجرد إنسان مخطئ، فكلنا نخطئ، بل هو إنسان حوّل خطأه إلى هيكل مقدس، وأغلق عليه باب المعبد، وألقى بالمفتاح في بئر التعصب. إنه ذلك الكائن الذي استبدل رحلة البحث بكرسي الوهم، فجلس عليه متربعاً، يظن أنه امتلك الكون، بينما هو لم يغادر عتبة زنزانته. تراه يدافع عن آرائه لا كفرضيات قابلة للدحض، بل كنصوص منزلة لا تقبل التأويل، متوهماً أن الحقيقة قد استقرت في جمجمته استقرار الجنين في رحم أمه، غير مدرك أن الحقيقة، في جوهرها، أوسع من أن تُحتَكر، وأكثر عصياناً على أن تُقبض عليها في قبضة وهم. إنه يرى بعين واحدة، ويسمع بأذن واحدة، ويظن أنه أدرك كل شيء، في مأساة أشبه بمن يظن أن المحيط هو ذاك البركة الصغيرة التي حفرها أمام كوخه.إن سيكولوجية الدوغمائي هي سيكولوجية الخائف، الهارب من رعب المجهول إلى وهم المعلوم. هو شخص لم يحتمل قلق الأسئلة، فاستعاذ بصنم الأجوبة الجاهزة. الشك، في نظره، ليس فضيلة العقل الناضج، بل خطيئة وجودية لا تُغتفر. إنه يُلقي بنفسه في أحضان اليقين الكاذب، كما يُلقي الطفل الخائف بنفسه في أحضان أمه، باحثاً عن دفء زائف، متجاهلاً أن هذه الأحضان ليست سوى جدران سجن أبدي. في مملكته الصغيرة، كل من يختلف معه ليس مجرد مخالف في الرأي، بل هو مهرطق، عميل للخطأ، كائن أقل إنسانية يجب محاربته أو تكفيره، لأن مجرد وجود “الآخر” هو تهديد لعرشه الهش المبني على أكوام من الغبار الفكري. الفكر عنده ليس فعلاً ديناميكياً متجدداً، بل هو جوهر جامد، تمثال من البرونز، أو كما أسميها، جثة فكرية ما زالت تتنفس.لقد كانت الدوغمائية على مر العصور هي أم الاستبداد، وقابلة المذابح الفكرية والحقيقية. كم من عقل أحرقوه لأنه تجرأ وأدار ظهره لصنم القطيع؟ وكم من حضارة اندثرت لأنها آمنت أنها بلغت الكمال، فتوقفت عن السؤال فماتت؟ إنها تنزع من الحياة سحر الاكتشاف، وتستبدل لوحة الوجود الباهرة بظلالها الباهتة على جدار الكهف. المجتمع الدوغمائي هو مجتمع يعيش في مقبرة، حيث تتحول الأفكار إلى عظام نخرة، وأي محاولة لبث الروح فيها تقابل بالاتهام بالكفر والزندقة. إنه عالم يُصادر فيه المستقبل لصالح ماضٍ متخيل، عالم يُقتل فيه الإبداع في مهده، لأن الإبداع، في جوهره، هو شك في المألوف، وخيانة جميلة لليقين.ولنا أن نتأمل هذه المفارقة العجيبة: الدوغمائي يظن نفسه مالك الحقيقة، وهو في الواقع لا يملك سوى هشاشته النفسية التي أسقطها على فكرة. إنه يرى ذاته في معتقده، وأي طعن في المعتقد هو طعن في ذاته المتضخمة. ولذلك تراه لا يحاور ليصل إلى حق، بل ليُثبت أنه على حق. الحوار عنده ليس تبادلاً للعقول، بل حرباً وجودية، إن لم تنتصر فيها، انهار كيانك. إنه يعشق صوته كعشق نرسيس لصورته، ويُصم أذنيه عن أي نغم آخر، ظاناً أن نشاز الآخرين هو الدليل القاطع على صفاء نغمته. يا لها من كوميديا سوداء، أن يعيش الكائن البشري على كوكب يسبح في كون لا نهائي، واثقاً بأن الحقيقة المطلقة قد احتواها دماغه الذي لا يتجاوز حجمه حبة جوز هندي!إن الحقيقة ليست محطة قطار، يصل إليها المرء فيستريح ويُغلق شباك التذكرة. إنها أفق يُفتح على أفق، وسؤال يلد سؤالاً. والعقل النابض بالحياة هو ذلك العقل الذي يظل مشرع النوافذ، مُرحباً برياح الشك العاتية، عالماً أنها قد تقتلع خيامه المهترئة، لكنها تُبقيه على قيد الحياة. لذا، فإن مواجهة الدوغمائي لا تكون بجدل عقيم، بل بأن نُري العالم جمال الأسئلة التي يخافون منها، وأن نُحدث شروخاً في جدران يقينهم، لعل شعاعاً من نور يوقظهم من سباتهم العميق، قبل أن يتحولوا، بملء إرادتهم، إلى مومياوات تتجول بين الأحياء، شاهدة على أن الموت ليس فقط توقف القلب، بل هو، في أعمق صوره، توقف العقل عن السؤال … RAMI#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم