The Count of Monte Cristo (2002)
حين يصبح الانتقام محاولة أخيرة لاستعادة الذات
Director: Kevin Reynolds
Genre: Adventure, Drama, Romance
Cast: Jim Caviezel, Guy Pearce, Richard Harris, Luis Guzmán, Dagmara Domińczyk, James Frain
قبل أيام، وبين فنجاني قهوة وحديثٍ يشبهنا، نحن أبناء الأمكنة المؤجلة، وجدتُ نفسي أتحدث مع صديقٍ عن الغربة. هو تربّى بعيدًا عن وطنه الأول، وأنا عشت أكثر من نصف عمري خارج الجغرافيا التي وُلدت فيها. لم يكن الحديث مخططًا له، لكنه انزلق، كما تفعل الذكريات دائمًا، نحو The Count of Monte Cristo، وكأن هذه الحكاية كانت كامنة في داخلنا منذ زمن، تنتظر لحظة صدق لتطفو على السطح.
سألته إن كان قد قرأ الرواية أو شاهد أحد أفلامها، فابتسم ابتسامة من يعرف القصة لكنه فقد تفاصيلها في زحام الحياة. قال إنه شاهد الفيلم منذ زمن بعيد، لكن الغربة محت من ذاكرته مشاهده. وحين سألني إن كنت أحب الرواية أم الفيلم، قلت له إنني قرأت نسخة مختصرة من الرواية، غير أن ذاكرتي السينمائية مثقلة بالنسخ المتعددة، وأقربها إلى قلبي نسخة عام 2002، بطولة Jim Caviezel، تلك التي شاهدتها مرارًا، وفي كل مرة بدت لي أكثر التصاقًا بحياتي مما توقعت.
سألني: ولماذا تحبها إلى هذا الحد؟ أجبته لأنها تتحدث عن الهروب من السجن، وعن الانتقام. ابتسم ساخرًا وقال: أي سجن هذا وأي انتقام، وأنت تعيش في شتوتغارت؟ عندها أدركت أنني كنت أعيش سجنًا من نوع آخر، سجنًا بلا قضبان، اسمه الغربة. سجن يتسلل إلى الروح بهدوء، ويجعل الهروب منه فعلًا يوميًا مؤجلًا. أما الانتقام، فليس نزوة عابرة، بل رغبة إنسانية دفينة، تولد من تراكم الخيبات، ومن محاولة يائسة للثأر للنقاء الذي كان في داخلنا يومًا، قبل أن تصقله الحياة القاسية حتى صار حادًا ومؤلمًا.
يقدّم فيلم The Count of Monte Cristo قصة خيانة ومغامرة وانتقام، لكنه في جوهره تأمل سينمائي في العدالة، وفي المسافة الفاصلة بين ما نؤمن به وما نعيشه. أداء Jim Caviezel يتسم بالهدوء والاحتراق الداخلي؛ انتقاله من إدموند دانتيس البريء إلى الكونت ليس انفجارًا، بل انكسارًا طويلًا يعاد تركيبه بصمت. في المقابل، يجسد Guy Pearce شخصية فرناند ببرودة محسوبة، شرّ لا يحتاج إلى صراخ ليُثبت حضوره، بل يكفيه أن يكون ممكنًا.
غير أن القلب الواقعي للفيلم يتمثل في شخصية الأب فاريا، التي أدّاها Richard Harris بوقار رجل يعرف أن المعرفة هي آخر أشكال الحرية. الكاهن الذي دخل زنزانة دانتيس بالخطأ، لكنه دخل حياته كضرورة. لا يزال مشهد صعوده على أكتاف دانتيس ليرى الشمس لأول مرة بعد عقود من العتمة، من أكثر لحظات الفيلم نقاءً وقسوة في آن. لحظة تقول إن الإنسان لا يرى الضوء إلا حين يسمح لغيره أن يكون جسره.
في سجن شاتو ديف، حيث يُختصر البشر إلى أرقام منسية، يتحول المكان بفضل هذا اللقاء إلى مدرسة للحياة. يتعلم دانتيس اللغات، والفلسفة، والاقتصاد، والتاريخ، وفنون المبارزة. المعرفة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل أداة بقاء، وإعادة تشكيل للذات. وفي كل ذكرى سنوية لدخول السجن، يعود آمر السجن ليذكّرهم بعجزهم، بينما يردد دانتيس: «سيعطيني ربي العدالة»، محفورة على الجدار بعمقٍ يزداد، وكأن الإيمان نفسه يحتاج إلى أثر مادي كي لا يتلاشى.
حين ينهار النفق على الأب فاريا ويموت، لا تكون تلك نهاية، بل انتقالًا. يترك لدانتيـس سر كنز جزيرة مونت كريستو، لا بوصفه وعدًا بالثراء، بل كإمكانية للخروج من الماضي. يهرب دانتيس، يعود بشخصية (الكونت)، وينفذ انتقامه بذكاء ومنهجية، لا بدافع السادية، بل بدافع استعادة التوازن الذي اختلّ يوم خُذل للمرة الأولى.
تجري أحداث الفيلم في فرنسا وإيطاليا وجزر البحر المتوسط خلال فترة حكم نابليون وإعادة الملكية بين عامي 1815 و1839، وهو اقتباس عن واحدة من أشهر روايات ألكسندر دوما، التي بقيت حيّة لأنها لا تتحدث عن زمنها فقط، بل عن الإنسان في كل زمن. ورغم أن نسخة 2002 تختصر كثيرًا من تعقيدات الرواية، فإنها تميل إلى إنسانية أكثر رحمة، وتطرح سؤالها المركزي بهدوء: هل الانتقام عدالة، أم أنه مجرد محطة مؤقتة في طريق الخلاص؟
أحسب أن جمال هذه النسخة يكمن في أنها لا تقدّم السجن كمكان، بل كحالة، ولا ترى الانتقام نهاية، بل محاولة أخيرة لاستعادة الذات قبل أن تضيع نهائيًا. وحين أنهيت حديثي، قال لي صديقي إنه سيشاهد الفيلم فور وصوله إلى وجهته، فقد كان مسافرًا تلك الليلة. وعدته أن أنشر هذا المقال مرفقًا بصور من الفيلم، لأننا، في تلك اللحظة، ونحن نحتسي القهوة ونتحدث عن الغربة، كنا نشبه أبطال الحكاية أكثر مما نظن، نحاول الهروب من سجون لا تُرى، ونفتش عن عدالةٍ قد تأتي متأخرة، لكنها تظل ضرورية #جعلت صورة صديقي كجزء من المقال، لانه كان احد ابطاله.


