الفنان العراقي هاشم حنون رسام مدن الدهشة و النور …. اعداد التشكيلي الجزائري مصطفى بوسنة ..ا
الكثير من النظريات الجغرافية ناقشت تأثير المكان على الإنسان ، وكيف أن التجارب البصرية التي يتعرض لها الإنسان تنسج خبراته ومشاعره، ..يقال “نحن نصنع الأماكن، وبعد بنائها تصنعنا هي”. إنّ السؤال حول العلاقة بين الفنون البصرية وبين ذات الإنسان سؤال يؤسس إطارا أصيلا لتعريف نطاقات الهوية والخبرات ورؤية الكون، إنّ أعيننا تعتبر مصدرا أوليا لتلقي معارفنا، لذا فإنّ تكرار نمط معين في الفن يؤصل حالة فلسفية تعكس تعريف الإنسان لنفسه في مرحلة زمنية معينة.
المدن مثل البشر ..منها ما يشعرك بالنفور و منها ما هي مثل صديق حميم تشعرك بالقرب و المحبة..المدن مثل العطر لكل مدينة عبقها و عطرها و روحها الخفية..لكن الفنان العراقي هاشم حنون يحمل مدينة واحد في قلبه حيثما انتقل..انها مدينة جميلة كقطعة من حلم جميل…مدينة سكنت قلبه فأصبحت مثل زجاج ملون جميل يحمله مثل نظارة دائمة يرى من خلالها كل المدن…مدينة البصرة..تلك المدينة التي سكنت طفولته و ما تزال تسكن كيانه رغم تنقله الدائم بين العديد من المدن.بغداد..عمان..فانكوفر..كل المدن التي نقلها في أعماله الفنية تشبه قصيدة…مقطوعة من موسيقى الجاز..كل لوحة بها ايقاع موسيقي موزع بطريقة ذكية تعكس روح أكاديمية متمكنة..
مازالت البصرة تلك المدينة ذات الثقل الروحي و التاريخي و الجمالي حاضرين في قلبه و لم تنل الغربة شيئا منها و لم تغيره كما غيرت العديد من الفنانين الذين تلاشوا في تفاصيل الحياة اليومية بمجتمعات جديدة..ما زال يحمل البصرة كقصيدة جميلة تسكن كيانه….
الفنان هاشم حنون ابن منطقة انجبت الشاعر الكبير بدر شاكر السياب الذي احب و تغنى بقريته جيكور التي خلدها في قصائده الإنسانية الرائعة..جيكور الحلم ..البساطة ..الحنين للوطن.
يعتمد الفنان في لوحاته ايقاع لوني و شكلي يتوزع بدقة كبناء متكامل يجمع بين صورتين …صورة أكاديمية تنقل ظاهر الأشياء و صورة تجريدية اختزالية تحكمها علاقات منطقية و جمالية…
من بين المدن التي مر بها هاشم مدينة عمان التي اقام بها عشر سنوات ..مدينة احبها ونقلها في لوحاته كقطع من الجواهر الملونة ..قطع حلوى جميلة تشتهيها اعين بريئة لطفل صغير…عمان في لوحاته لم تعد تلك المدينة التي يغلب عليها اللون الرمادي بل مدينة يراها الفنان من أعماقه من جواهر قلبه الملونة التي اتى بها من الكوفة و التي تنعكس على الأشياء… عمّان عند الكثير من الناس هي مجرّد مدينة خالية من الجمال، بينما هي عكس ذلك تماماً بالنسبة إليه. حيث يرسم اللوحات وفاءً لها وحنيناً إليها”.
رسم أعمالاً حاول فيها التقاط “روح” المدينة. يقول الفنان هاشم حنون لإحدى الصحف العربية.. أنا فنان أنشد الخلاص الإنساني على شكل أحلام أترجمها على سطح اللوحة في اللون والمواد الأخرى ، مدني تعج بالحياة والأحلام المعطلة وكما يقول احد الكتاب لأنهم فقراء فأحلامهم مشروعة . إنني أحلم وجاءت لوحاتي كرنفالا للاحتفاء بالحياة رغم مرارتها. إنني انحت الحزن جماليا وأسعى الى تأسيس مملكة الإنسان السعيد الملونة، فاللون هو العلامة الفارقة لمدني
قلب هاشم قلب فنان عمره الجمال و الخير فلم يعد يرى الحياة الا من خلالهما ..لا مكان للبؤس و لا مكان للقبح.الفنان هاشم يمثل الروح العراقية الأصيلة التي لم تشوهها الحرب و لا الخراب الذي طال وطنه لكنه لم يستطع ان يطال الروح العميقة لمن تشبع بحضارة العراق و روحه الأصيلة..
يُوضّح بخصوص حيوية الألوان في لوحاته: “حاولتُ تقديم أعمال فيها شيء من التجريد، وفيها حداثة وتصرّف. رسمت عمّان من وجهة نظري كفنّان وليس كما يشاهدها الآخرون. هنا يدخل عامل جمالية الألوان وتوظيفها لصالح إنجاح العمل، حيث يجد المتلقّي المدينة بشكل آخر، في غاية في الجمال، بينما يعيش فيها يومياً ولا يحسّ بذلك مثلما جسّدته”.
الفنان بدأ يشكل مدنهُ بالألوان الحارة والباردة معاً ليعطي لها الطابع الحركي المميز والذي يسرق النظرة الأولى للبصر من المتلقي فتحدث حالة من التماهي أو التجلي الروحي بين العمل من جهة والمتلقي من جهة أخرى، ولم يكتفي الفنان هاشم حنون بذلك بل عمد الى تأسيس هذه المدن من الوحدات البنائية من تركيبة جسد الأنسان، هذا البناء لم يعطي جمالية التكوين لأعماله الفنية فقط, بل أدى الى تكوين أبعاد روحية ووجدانية تأخذ الى أستلهام النص البصري من قبل المتلقي بشكل يبعث على أحداث حالة أشبه بالأستغراق الدرامي للحدث الذي يعالج من قبل الفنان في وجدان المتلقي، وذلك ليس بالأمر اليسير أن يصل الفنان بالمتلقي الى حدوث هذه الحالة الوجدانية للتفاعل بين الفنان والعمل من جهة لحظة الشروع في العمل الأبداعية أي لحظة الخلق الفني للفنان وبين المتلقي والعمل من جهة أخرى لحظة حدوث ذلك التفاعل البصري والتلاقي الفكري.#الفن والنفد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت…


