ثورة ابن الهيثم وتأسيس المنهج التجريبي في علم الضوءمع بداية القرن الحادي عشر الميلادي بلغ الجدل حول طبيعة الرؤية ذروته، لكن التحول الحاسم لم يأتِ من أوروبا كما قد يُظن، بل من البصرة ثم القاهرة على يد العالم الموسوعي ابن الهيثم الذي يُعد نقطة الانعطاف الكبرى في تاريخ علم الضوء. في زمن كانت فيه نظرية الانبعاث التي تبناها أفلاطون ولاحقًا إقليدس لا تزال مؤثرة، جاء ابن الهيثم ليقلب الفرضية رأسًا على عقب، معلنًا أن العين لا تُصدر الضوء بل تستقبله. لم يكن هذا مجرد اختلاف فلسفي، بل ثورة منهجية كاملة قائمة على التجربة المنظمة والبرهان الهندسي. في مؤلفه الشهير “كتاب المناظر” وضع إطارًا علميًا صارمًا لدراسة الضوء، فبدأ بتفكيك النظريات السابقة نقديًا، ثم صاغ فرضيات قابلة للاختبار، وأجرى تجارب دقيقة لإثباتها. استخدم الحجرة المظلمة ليثبت أن الضوء ينتشر في خطوط مستقيمة، ولاحظ أن الصورة المتكوّنة تمر عبر فتحة صغيرة وتظهر مقلوبة، وهو استنتاج هندسي دقيق سبق به عصره بقرون. درس كذلك قوانين الانعكاس والانكسار، وربط بين الزوايا الهندسية ومسار الأشعة الضوئية، مما أسّس لما نعرفه اليوم بالبصريات الهندسية الحديثة. لم يتوقف عند فيزياء الانتشار، بل حلّل آلية الإبصار نفسها، موضحًا أن الصورة تتكوّن على سطح حساس داخل العين، وأن الإدراك عملية يفسرها الدماغ، وهو تصور سيُعاد تطويره لاحقًا في أوروبا. تميّز منهجه بما سماه “الاعتبار والامتحان”، أي إخضاع الفرضيات للاختبار العملي وعدم الاكتفاء بالسلطة الفلسفية، وهو ما جعله من أوائل من صاغوا أسس المنهج العلمي القائم على الشك المنظم. انتقلت أعماله إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية في القرن الثاني عشر، وأثّرت بعمق في علماء مثل روجر باكون ويوهانس كيبلر، حيث أعيد بناء علم البصريات على قواعد رياضية وتجريبية مستمدة مباشرة من أعماله. وبذلك لم يكن ابن الهيثم مجرد عالم بصريات، بل كان مؤسسًا لنقلة معرفية غيّرت مسار العلم العالمي، إذ حوّل دراسة الضوء من جدل نظري إلى علم قائم على القياس والتجربة، ممهدًا الطريق للقرن السابع عشر حيث سيُطرح السؤال الأكبر: هل الضوء جسيمات أم موجات؟ تلك المعركة الفكرية القادمة بين نيوتن وهويجنز لم تكن لتحدث لولا الأساس الصلب الذي وضعه هذا العالم في مطلع الألفية الثانية.#IbnAlHaytham#ScientificMethod#HistoryOfOptics#GoldenAgeOfScience # علماء واعلام عرب# مجلة ايليت فوتو ارت.


