تألب ريام بين القداسة والملكية في تقاليد همدان وقصة النبي يوسف ابن يعقوب:يمثل اسم تألب ريام ظاهرة مركبة في التراث اليمني القديم، إذ يجتمع فيه البعد الديني المرتبط بالمكان المقدس، والبعد النسَبي المرتبط ببيت الملك في همدان.أولًا: تألب ريام بوصفه معبودًا ومَعلمًا مقدسًاتذكر المصادر اليمنية القديمة أن تألب ريام كان اسمًا لجبل مقدس في بلاد أرحب، ارتبط بقبائل همدان، ويُفهم من الروايات أن الموقع كان يضم معابد وقصورًا سبئية، وأن الناس كانت تحج إليه في الجاهلية. كما يُشار إلى ما عُرف بـ”بيت ريام”، وهو موضع حجّ يمني قبل الإسلام.وقد ورد ذكر هذا الموضع في كتاب الإكليل للمؤرخ اليمني الحسن بن أحمد الهمداني، كما أشار إليه نشوان الحميري في سياق حديثه عن ملوك اليمن وأخبارها القديمة. وتظهر في هذه النصوص ظاهرة مألوفة في التراث العربي الجنوبي، حيث تتحول أسماء المعبودات أو المواضع المقدسة إلى أسماء أشخاص أو ملوك في السرد النسَبي.ويقارن بعض الباحثين بين تألب ريام وبين أسماء أخرى وردت في المصادر بصفتها آلهة ثم أعيد تفسيرها ملوكًا، مثل ما يُذكر عن “السميدع” في الروايات اليمنية.ثانيًا: العلاقة بين تألب ريام ونهفان وعلْهان1. نهفانيُعد نهفان أحد ابني بتع الملك، إلى جانب علْهان.وفي بعض الأخبار يُوصف هو وعلْهان بالملكين.2. علْهانترد شخصية علْهان في الروايات بوصفه شقيق نهفان، غير أن الدراسات النقشية الحديثة تميل أحيانًا إلى اعتبار “علْهان نهفان” اسمًا مركبًا لملك واحد، تبعًا لبنية الأسماء المركبة في النقوش السبئية.3. موضع تألب في هذا السياقإذا أخذنا بالرواية الإخبارية:يكون تألب من نسل نهفان.أي من بيت الملك الهمداني المباشر.أما إذا أخذنا بقراءة الاسم المركب:فإن البيت الملكي يتمثل في شخصية واحدة (علْهان نهفان).ويكون شهران وتألب امتدادًا لذلك البيت.في كلا الحالين، يمثل تألب استمرارًا لبيت ملكي همداني ذي مكانة سياسية واضحة.ثالثًا: تألب ريام في النقوش المسنديةيُذكر اسم “تألب ريام” في مساند ناعط وبعض النقوش المنسوبة إلى بيئة همدان، ما يمنح الشخصية بعدًا تاريخيًا محتملًا، ويخرجها من الإطار الإخباري الخالص.غير أن:المطابقة الدقيقة بين النصوص النقشية والتسلسل النسبي في الإكليل تحتاج إلى دراسة مقارنة.لا يمكن الجزم بأن كل ما ورد في الرواية الإخبارية ثابت نقشياً.ومع ذلك فإن ورود الاسم في النقوش يعزز احتمال وجود شخصية تاريخية حقيقية حملت هذا الاسم.ثانيًا: تألب ريام في النسب الهمدانيبحسب روايات أنساب همدان، فإن تألب ريام يُدرج ضمن سلسلة نسب ملكية على النحو الآتي:همدانبن زيدبن بتع (الملك)بن نهفانبن شهران الملكبن تألب رياموبصيغة أدق:تألب ريام بن شهران الملك بن نهفان بن بتع بن زيد بن همدان.ويمثل هذا البيت أحد بيوت الرياسة في همدان، إذ يُوصف شهران بالملك، كما يُنسب الملك إلى نهفان وبتع، مما يدل على تقليد سياسي عريق داخل هذا الفرع القبلي.ثالثًا: أبناء تألب ريام وامتداد ذريتهتذكر الروايات أن تألب ريام أنجب:يطاعيارموتنسب بعض الأخبار أمهما إلى بيت شرح يحضب، حيث قيل إنها:ترعة بنت بازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصوّار.1. ذرية يارمأنجب يارم:أنكفشرحأروعويُعرف هؤلاء الثلاثة في الرواية الهمدانية بـ ملوك شهران، مما يشير إلى استمرار السلطة في هذا البيت.2. ذرية يطاعتذكر الروايات امتدادًا لنسله، غير أن التركيز الأكبر في كتب الأنساب ينصب على نسل يارم بوصفهم أصحاب الملك في شهران.رواية بتع بن زيد وابنيه علهان ونهفان في سياق القحط زمن يوسف عليه السلامتورد كتب التراث اليمني، وعلى رأسها الإكليل للمؤرخ الحسن بن أحمد الهمداني، أن بتع بن زيد بن همدان كان من ملوك همدان، وأنه أنجب علهان ونهفان، وأمهما جميلة بنت الصوّار بن عبد شمس. وتُظهر هذه الرواية أن البيت الهمداني كان ذا مكانة سياسية مبكرة، تُنسب إليه صفة الملك.أولًا: سياق القحط والرواية اليمنيةتنقل بعض أخبار اليمن القديمة أنه وقع قحط شديد في جزيرة العرب زمن النبي يوسف عليه السلام، وألحّ الجراد على الزروع، مما أفضى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في اليمن والحجاز ونجد، ووصفت تلك البلاد بأنها “أرض معلّقة لا سوح فيها”، أي قليلة الأنهار والمياه الجارية، تعتمد على الأمطار والآبار.وتذكر الرواية أن بتع الملك أمر ابنيه علهان ونهفان أن يكتبا إلى خزائن مصر، وكان ملك مصر — بحسب الخبر — الوليد بن الريان من العماليق الأولى، بينما كان يوسف هو العزيز المشرف على خزائن الغلال. فكتب علهان ونهفان إلى يوسف يستأذنانه في أن يُؤمَّن الناس إذا قدموا ببضائعهم وأنعامهم وأموالهم لطلب الميرة.وتفيد الرواية أن الوفود خرجت من اليمن في جماعات، وأن كثيرًا من أزوادهم كان من الجراد، إشارةً إلى شدة المجاعة. فلما بلغوا مصر، استقبلهم يوسف وأكرم وفادتهم، وأمرهم باتخاذ “النواضح” (أي حفر الآبار العميقة)، وبيّن لهم صفتها. فعادوا إلى اليمن فاحتفروا الآبار، ويُقال إن الآبار العدّ التي لا تنضب تُنسب إلى ذلك العهد، وأن الناس ظلوا يمتارون من مصر مدة طويلة.ثانيًا: الشاهد الشعري واللغويينقل الهمداني في الجزء التاسع من الإكليل خبرًا لغويًا منسوبًا إلى الحميريين يتعلق بالأنواء، وفيه قولهم:«أقسمن أنجوم أبربع، ذو تغيب لو يرى سد بتع، ما بين حاز وبيت دفع».ويُفسَّر النص بأن الكواكب الأربعة أقسمت ألا تغيب صلاة الغداة حتى يشرب سد بتع من الغيث في شهر آذار، على عادة العرب في ربط الأمطار بالأنواء. ويُستفاد من هذا النص أن اسم “بتع” ارتبط بموضع مائي (سد)، مما يعكس حضورًا عمرانيًا منسوبًا إلى هذا الملك في الذاكرة اليمنية.# لحظة تاريخ # مجلة ايليت فوتو ارت.


