بوريس سوتشكوف: عاشق كافكا في قبضة السلطة
جودت هوشيار
كان بوريس ليونتييفيتش سوتشكوف في الثالثة والعشرين من عمره عام 1940، حين بدأ اسمه يظهر في الحياة الأدبية السوفيتية. كان قد تلقى تكويناً أكاديمياً مبكراً في الأدب، وتابع دراساته العليا في قسم الأدب العالمي بالمعهد التربوي في موسكو، وفي عام 1941 دافع عن أطروحته حول «مشكلة التاريخانية في الأدب الألماني الحديث». وفي العام السابق، 1940، بدأ نشر مقالاته النقدية، ومنها دراسته عن بلزاك «بحث جديد عن بلزاك»، ثم مقالاته في الأدب الإنكليزي والحرب العالمية الأولى.
لم يكن سوتشكوف مجرد ناقد أدبي شاب؛ فقد كان صعوده سريعاً ولافتاً. انضم إلى الحزب الشيوعي عام 1941، وشارك في الحرب الوطنية العظمى، ثم تولى، بين عامي 1942 و1943، مسؤولية تحرير مجلة «الأدب العالمي، وهي مجلة كانت تصدر في موسكو بالروسية، كما كانت لها إصدارات بالإنكليزية والفرنسية والألمانية، وتهتم بتقديم الأدب الأجنبي إلى القارئ السوفيتي. وبعد ذلك انتقل إلى إدارة الدعاية والتحريض في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ثم تولى مناصب في مجال التعليم والنشر، وأصبح مديراً لدار الأدب الأجنبي في 1946
كان ذلك موقعاً بالغ الحساسية؛ فالنشر الأدبي في الاتحاد السوفيتي لم يكن نشاطاً ثقافياً مستقلاً عن الدولة، بل كان جزءاً من المنظومة الأيديولوجية التي تحدد ما يُترجم وما يُنشر، وكيف ينبغي تقديم الأدب الغربي إلى القارئ السوفيتي. ولهذا اكتسب سوتشكوف، منذ وقت مبكر، معرفة واسعة بالأدب الأوروبي والأمريكي، وأصبح لاحقاً واحداً من أبرز المتخصصين السوفييت في الأدب الغربي في القرن العشرين.
لكن هذا الصعود توقف فجأة في عام 1947. ففي أغسطس من ذلك العام اعتُقل سوتشكوف، وكان حينها مديراً لدار الأدب الأجنبي، واتُّهم بالتجسس. وتفيد المصادر التاريخية التي تناولت قضيته بأنه حوكم بموجب المادة 58 من القانون الجنائي السوفيتي، وحُكم عليه بعقوبة قاسية بلغت، وفق مصادر متعددة، خمسة وعشرين عاماً من السجن. أمضى سنوات اعتقاله في كارلاغ، أحد أكبر مجمعات معسكرات العمل القسري في الاتحاد السوفيتي. كما اعتُقلت زوجته، الممثلة في مسرح موسكو الفني إليزابيتا مايفسكايا، وأُرسلت إلى معسكر فوركوتا.
وقد ارتبطت قضية سوتشكوف في بعض الروايات اللاحقة بالصراع داخل القيادة السوفيتية في تلك المرحلة، ولا سيما بين لافرينتي بيريا وميخائيل سوسلوف. وتروي روايات صحفية وأدبية أن ضغوطاً مورست عليه وأن قضيته كانت مرتبطة بصراعات داخل الجهاز الحزبي والأيديولوجي. غير أن هذه الرواية، وخصوصاً التفاصيل المتعلقة بطلب بيريا منه كتابة تقرير ضد سوسلوف، لا تتوافر لها في المصادر التي أمكن التحقق منها هنا وثائق أولية كافية تسمح بعرضها بوصفها حقيقة تاريخية محسومة. الثابت تاريخياً هو اعتقاله عام 1947، وإدانته بتهمة التجسس، وسجنه في كارلاغ، ثم الإفراج عنه وإعادة اعتباره.
أُفرج عن سوتشكوف عام 1955، وفي عام 1956 أُعيد إليه اعتباره رسمياً. وكانت عودته إلى الحياة الأدبية والسياسية لافتة بقدر ما كان سقوطه منها مفاجئاً. فمنذ عام 1956 تولى منصب نائب رئيس تحرير مجلة «زناميا» (الراية)، واستمر في الصعود داخل المؤسسات الثقافية والأكاديمية السوفيتية. حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الفيلولوجية عام 1966، ثم أصبح عضواً مراسلاً في أكاديمية العلوم السوفيتية عام 1968. وفي الفترة نفسها تقريباً وصل إلى قمة مسيرته المؤسسية، فأصبح مديراً لمعهد الأدب العالمي التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاته عام 1974.
وفي هذه المرحلة ظهر سوتشكوف بوصفه واحداً من أهم منظّري الواقعية في النقد الأدبي السوفيتي. كان كتابه «المصائر التاريخية للواقعية: تأملات في المنهج الإبداعي»، الصادر عام 1967، أهم أعماله وأكثرها شهرة، وترجم إلى لغات عديدة. كما نشر في عام 1969 كتابه «وجوه العصر: مقالات عن الكتاب والعملية الأدبية» في مجلدين، وصدرت بعد وفاته مجموعة «فعالية الفن: مقالات أدبية نقدية» عام 1978. وحصل كتابه «المصائر التاريخية للواقعية» لاحقاً على جائزة الدولة السوفيتية عام 1975، أي بعد وفاته.
ولم تكن أهمية سوتشكوف محصورة في التنظير الأدبي؛ فقد كان له تأثير مباشر في مسار الأدب الأجنبي داخل الاتحاد السوفيتي. شارك في تحرير ونشر أعمال توماس مان، وستيفان تسفايغ، وليون فويشتفانغر، وكان من أوائل الباحثين السوفييت الذين تناولوا، على نحو منهجي، أعمال كنوت هامسون ومارسيل بروست وفرانز كافكا وإريش ماريا ريمارك، كما شارك في إعداد عدد من إصداراتهم. وكان عضواً في هيئات تحرير مجلتي «الأدب الأجنبي» و**«قضايا الأدب»**، وعضواً في هيئة تحرير سلسلة «مكتبة الأدب العالمي» منذ تأسيسها في أواخر الستينيات.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة في شخصية سوتشكوف. فقد كان واحداً من أكثر النقاد السوفييت اطلاعاً على الأدب الغربي الحديث، وفي الوقت نفسه كان يعمل داخل منظومة ثقافية تفرض على هذا الأدب شروطاً أيديولوجية صارمة. وكان الأدب الغربي، وخصوصاً الحداثي منه، يُقرأ في الاتحاد السوفيتي غالباً من خلال مفاهيم الصراع الطبقي والواقعية والالتزام الاجتماعي، الأمر الذي جعل تقديم كافكا وبروست وجويس وفولكنر إلى القارئ السوفيتي مهمة شديدة التعقيد.
وتكشف قصة سوتشكوف مع فرانز كافكا هذه المفارقة بوضوح. ففي خمسينيات القرن العشرين، عندما طُرحت فكرة نشر أعمال كافكا في الاتحاد السوفيتي، كان سوتشكوف من الذين نظروا إلى أدبه من زاوية نقدية أيديولوجية شديدة التحفظ، ووصفه في ذلك السياق بأنه أدب متشائم ومنتمٍ إلى الانحطاط. لكن بعد سنوات قليلة، تغيرت الظروف الثقافية، وأصبح سوتشكوف نفسه أحد المشاركين في إدخال كافكا إلى الحياة الأدبية السوفيتية؛ ففي عام 1965 صدر في موسكو كتاب «فرانز كافكا: الرواية، والقصص، والأمثال»، وكتب سوتشكوف مقدمته ودراسته عن عالم كافكا.
وتروي شهادات لاحقة عن هذه المرحلة أن سوتشكوف كان يدرك قيمة الأدب الذي كان يضطر، في بعض كتاباته الرسمية، إلى التعامل معه بلغة نقدية أيديولوجية. ويشير الباحث دميتري زاتونسكي، في شهادة نقلتها دراسة حديثة عن تاريخ استقبال كافكا في الاتحاد السوفيتي، إلى أن سوتشكوف كان يرى أهمية إتاحة أعمال كافكا وبروست وجويس للقارئ الروسي، حتى وإن كان نشرها يتطلب المرور عبر اللغة النقدية المقبولة رسمياً.
وهكذا تبدو حياة بوريس سوتشكوف وكأنها تختصر مأساة المثقف السوفيتي في القرن العشرين: شاب موهوب صعد بسرعة داخل جهاز الدولة الثقافي، ثم سقط فجأة في دوامة القمع والاتهام، وعاش سنوات في معسكرات الاعتقال، قبل أن يعود بعد الإفراج عنه إلى المؤسسة نفسها التي كانت قد أسقطته. لكنه عاد هذه المرة أكثر حذراً، وأكثر إدراكاً لحدود الممكن والممنوع.
ولا يصح، مع ذلك، اختزال سوتشكوف في صورة «المثقف الخائف» أو «خادم السلطة» فقط. فقد كان باحثاً واسع المعرفة، وصاحب إسهام حقيقي في دراسة الأدب الغربي ونظرية الواقعية، وكان له دور في إتاحة أعمال أدباء لم يكن من السهل إدخالهم إلى المجال الثقافي السوفيتي. ولعل المفارقة في حياته تكمن تحديداً هنا: الرجل الذي عمل داخل الجهاز الثقافي للدولة كان، في الوقت نفسه، أحد الذين ساعدوا على توسيع حدود ما يستطيع القارئ السوفيتي أن يقرأه من الأدب العالمي.
توفي بوريس سوتشكوف في بودابست في 2 ديسمبر 1974، أثناء وجوده في مهمة خارجية، عن عمر بلغ سبعة وخمسين عاماً، ودُفن في موسكو في مقبرة فيفيدنسكوي. وتذكر شهادة معاصرة لاحقة أنه أصيب باحتشاء قلبي في الفندق بعد مشاركته في نشاط ثقافي بالسفارة السوفيتية، لكن المصادر المرجعية الأساسية تكتفي بتسجيل وفاته في بودابست ولا تقدم في سيرتها المختصرة تفصيلاً طبياً للوفاة؛ لذلك يبقى الأدق تاريخياً الاكتفاء بهذه المعلومة.
#جودت هوشار#مجلة ايليت فوتو ارت.


