النحو الوظيفي عند أندريه مارتيني: من بنية اللغة إلى وظيفتها التواصلية
مقدمةيمثل أندريه مارتيني (André Martinet) أحد أبرز اللسانيين الذين أسهموا في تطوير الدرس اللغوي الحديث، ولا سيما في مجال اللسانيات الوظيفية. فقد انطلق من التصور البنيوي للغة، لكنه لم يكتفِ بوصف العلاقات الداخلية بين عناصر النظام اللغوي، بل جعل وظيفة اللغة في التواصل محورًا أساسيًا في تفسير الظواهر الصوتية والصرفية والتركيبية.ويقوم التصور الوظيفي عند مارتيني على فكرة مركزية مفادها أن اللغة ليست مجرد بنية مستقلة قائمة بذاتها، وإنما هي أداة للتواصل الإنساني؛ ولذلك فإن تفسير بنيتها ينبغي أن يرتبط بالوظائف التي تؤديها في الاستعمال. ومن هنا اكتسب مفهوم «الوظيفة» مكانة مركزية في مشروعه اللساني، وأصبح النحو عنده مرتبطًا بالكيفية التي تنتظم بها الوحدات اللغوية من أجل أداء وظائف تواصلية محددة.أولًا: أندريه مارتيني وموقعه في اللسانيات الحديثةينتمي مارتيني إلى التيار الوظيفي في اللسانيات الأوروبية، وقد تأثر بوضوح بالتراث البنيوي، ولا سيما التصور الذي ينظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلاقات. غير أن مارتيني سعى إلى تجاوز الاقتصار على وصف البنية، مؤكدًا ضرورة ربط البنية بالاستعمال والتواصل.فاللغة، في منظوره، نظام منظم من الوحدات، لكنه نظام يتشكل ويتطور استجابةً إلى حاجات المتكلمين التواصلية. ولذلك لا يمكن دراسة الظواهر اللغوية بمعزل عن الوظائف التي تؤديها.ويترتب على ذلك أن اللساني الوظيفي لا يسأل فقط: كيف تنتظم العناصر اللغوية؟ بل يسأل أيضًا: لماذا اتخذت هذه العناصر هذا التنظيم؟ وما الوظيفة التي يؤديها هذا التنظيم؟ثانيًا: اللغة بوصفها أداة للتواصليُعرِّف مارتيني اللغة انطلاقًا من وظيفتها الأساسية في التواصل، ولذلك يربط النظام اللغوي بالحاجة الإنسانية إلى نقل التجارب والمعلومات بين أفراد الجماعة.ولا يعني ذلك أن اللغة مجرد وسيلة آلية لنقل المعلومات، بل إنها نظام معقد يسمح للمتكلم بتحويل تجربته إلى وحدات قابلة للفهم من طرف المخاطَب.ومن هنا يصبح التواصل عنصرًا ضروريًا في تفسير بنية اللغة؛ فالبنية اللغوية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق غرض تواصلي.وهذا التصور يقود إلى مبدأ مهم في اللسانيات الوظيفية، وهو أن الاقتصاد والوضوح والتواصل عوامل تساعد على تفسير كثير من الظواهر اللغوية.ثالثًا: مبدأ الاقتصاد اللغوييُعد مبدأ الاقتصاد من المفاهيم المركزية في فكر مارتيني. ويشير إلى ميل اللغة إلى تحقيق التوازن بين حاجتين متعارضتين نسبيًا:1. حاجة المتكلم إلى تقليل الجهد المبذول في إنتاج الكلام.2. حاجة المخاطَب إلى الحصول على قدر كافٍ من المعلومات لفهم الرسالة.ومن ثم فإن التطور اللغوي يمكن أن يُفهم، في جانب منه، باعتباره بحثًا مستمرًا عن نوع من التوازن بين الاقتصاد في الجهد والفعالية التواصلية.ويظهر هذا المبدأ في المستويات الصوتية والتركيبية والصرفية، إذ تميل اللغات إلى التخلص من بعض العناصر أو اختصارها عندما تصبح قابلة للاستغناء عنها، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على عناصر ضرورية لضمان الفهم والتمييز بين المعاني.رابعًا: الازدواجية المفصليةمن أهم إسهامات مارتيني النظرية مفهوم الازدواجية المفصلية (Double articulation)، الذي يصف خاصية أساسية في التنظيم اللغوي.1. المفصل الأوليتكون الكلام من وحدات ذات دلالة، أطلق عليها مارتيني المونيمات (Monèmes). ويمكن أن تكون هذه الوحدات ذات معنى معجمي، أو ذات وظيفة نحوية.ففي جملة مثل:«الطفلُ قرأَ الكتابَ»يمكن تحليل عناصرها إلى وحدات تؤدي وظائف دلالية ونحوية مختلفة، مثل: الطفل، قرأ، الكتاب، مع ما يرتبط بها من مؤشرات نحوية.2. المفصل الثانيأما المفصل الثاني فيتمثل في الوحدات الصوتية الصغرى، أي الفونيمات، التي لا تحمل معنى مستقلًا، لكنها تسهم في تشكيل الوحدات ذات الدلالة.وبذلك تستطيع اللغة أن تنتج عددًا هائلًا من الرسائل من عدد محدود نسبيًا من الوحدات الصوتية.وهذه الخاصية تكشف بوضوح عن مبدأ الاقتصاد؛ إذ لا تحتاج اللغة إلى عدد لا محدود من الأصوات ذات المعاني المستقلة، وإنما توظف عددًا محدودًا من الوحدات الصوتية لتكوين عدد كبير جدًا من الوحدات الدالة.خامسًا: الوظيفة وعلاقتها بالنحولا ينظر النحو الوظيفي عند مارتيني إلى القواعد باعتبارها مجموعة من القوانين المجردة المنفصلة عن الاستعمال، بل ينظر إليها باعتبارها وسائل لتنظيم الوحدات اللغوية بما يسمح بتحقيق التواصل.ومن هنا فإن العلاقات النحوية لا تكتسب أهميتها من شكلها فقط، وإنما من الوظائف التي تؤديها.فترتيب الكلمات، وعلامات الإعراب، واللواصق، وحروف الجر، والضمائر، وغيرها من الوسائل النحوية، تسهم في تحديد العلاقات بين عناصر الرسالة.وفي العربية، مثلًا، يمكن لعلامات الإعراب أن تؤدي دورًا وظيفيًا بالغ الأهمية في تحديد العلاقات النحوية، خصوصًا عندما يكون ترتيب العناصر قابلًا للتغيير.سادسًا: النحو بين البنية والتواصليختلف التصور الوظيفي عن التصورات الشكلية الصارمة في أنه لا ينظر إلى النحو باعتباره نظامًا مستقلًا عن التواصل. فالبنية النحوية، وفق المنظور الوظيفي، تتفاعل مع حاجات المتكلمين ومع السياق الذي تُستعمل فيه اللغة.وهذا يعني أن دراسة الجملة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود بنيتها الداخلية، بل ينبغي أن تمتد إلى وظيفتها في الخطاب.فالجملة الواحدة قد تؤدي وظائف مختلفة بحسب السياق، كما أن المتكلم قد يختار بنية تركيبية معينة دون أخرى بسبب ما يريد التركيز عليه أو إبرازه أو إخفاءه.ومن هنا تتصل اللسانيات الوظيفية بقضايا مثل السياق، والمقام، والمعلومة، والموضوع، والبؤرة، والتواصل.سابعًا: العلاقة بين الوظيفة والتغير اللغوييربط مارتيني بين الوظيفة والتغير اللغوي. فاللغة ليست نظامًا ثابتًا، وإنما تخضع باستمرار لتحولات تفرضها عوامل داخلية وخارجية، وفي مقدمتها حاجات التواصل.وقد يؤدي الاقتصاد في الجهد إلى تغيرات صوتية، كما يمكن أن يؤدي تغير الاستعمال إلى إعادة تنظيم بعض البنى النحوية أو المعجمية.وهكذا يصبح التغير اللغوي نتيجة للتفاعل بين النظام اللغوي والمتكلمين وحاجاتهم التواصلية، وليس مجرد تحول اعتباطي في شكل الوحدات.ثامنًا: النحو الوظيفي ومبدأ التفاعل بين المستويات اللغويةمن أهم خصائص المنظور الوظيفي أنه لا يعزل مستويات اللغة عن بعضها عزلاً تامًا. فالصوت يرتبط بالصرف، والصرف يرتبط بالنحو، والنحو يتفاعل مع الدلالة، والدلالة لا تنفصل عن الوظيفة التواصلية.ولهذا فإن دراسة اللغة تقتضي النظر إليها باعتبارها نظامًا متكاملاً تتفاعل مكوناته باستمرار.ويُسهم هذا التصور في تفسير بعض الظواهر التي يصعب فهمها إذا عولجت على مستوى واحد فقط.تاسعًا: قيمة التصور المارتيني في الدرس اللسانيتكمن أهمية مشروع مارتيني في أنه أسهم في نقل الاهتمام من البنية اللغوية المجردة إلى العلاقة بين البنية والوظيفة.فإذا كانت البنيوية قد رسخت مبدأ دراسة اللغة بوصفها نظامًا، فإن الوظيفية المارتينية سعت إلى بيان أن هذا النظام لا يعمل في فراغ، بل يؤدي وظائف محددة داخل عملية التواصل.وقد فتح ذلك المجال أمام اتجاهات وظيفية لاحقة اهتمت بصورة أكبر بالعلاقة بين التركيب والدلالة والتداول والسياق.خاتمةيُظهر النحو الوظيفي عند أندريه مارتيني أن اللغة لا يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد الشكلية، لأنها في جوهرها نظام للتواصل الإنساني. ومن ثم فإن دراسة بنيتها ينبغي أن تراعي الوظائف التي تؤديها الوحدات اللغوية داخل عملية التواصل.ويأتي مفهوم الاقتصاد اللغوي ليكشف عن التوازن المستمر بين جهد المتكلم ومتطلبات الفهم، بينما تكشف الازدواجية المفصلية عن قدرة اللغة على بناء عدد هائل من الرسائل من عدد محدود من الوحدات الصوتية والوحدات الدالة.وبذلك أسهم مارتيني في تأسيس تصور لساني يجعل من العلاقة بين البنية والوظيفة أساسًا لفهم النظام اللغوي، وهو تصور ظل مؤثرًا في تطور اللسانيات الوظيفية وفي الانتقال من دراسة اللغة بوصفها بنية مغلقة إلى دراستها باعتبارها نشاطًا تواصليًا حيًا.المراجع – Martinet, André, Éléments de linguistique générale, Paris, Armand Colin.- Martinet, André, La linguistique synchronique: études et recherches, Paris, PUF.- Martinet, André, Économie des changements phonétiques: traité de phonologie diachronique, Paris, Maisonneuve.- Martinet, André, Le langage, Paris, Gallimard.- Martinet, André, Syntaxe générale, Paris, Armand Colin.- Dubois, Jean et al., Dictionnaire de linguistique, Paris, Larousse.- Mounin, Georges, Dictionnaire de la linguistique, Paris, PUF…#اللسانيات#مجلة ايليت فوتو ارت


