عنترة خارج القصيدة
الفارس الذي لم يغادر الحكاية
أميرة ناجي /بغداد
ماذا لو لم يكن عنترة قد خرج من الصحراء إلى المدينة، بل خرج من ذاكرتنا نحن، حاملًا معه كل ما لم نستطع دفنه من الحب والكرامة والانتظار؟
هذا هو السؤال الذي تضعه لوحة الفنان محمود شُبَّر
أمام العين. فالفنان لا يستعيد عنترة وعبلة كي يعيد سرد حكايتهما، ولا يضعهما داخل زمنهما التاريخي، بل ينتزعهما من الصحراء والقصيدة والسيف، ويدفع بهما إلى فضاء معاصر تتجاور فيه إشارات المرور والمظلات والكلب
والملابس الحديثة
والزخارف الشرقية
والدب الأحمر.
هنا لا تعود الأسطورة حكايةً عن الماضي، بل تدخل الحاضر لتختبر قدرتها على البقاء.
(كلُّ ما هو عظيمٌ في هذا العالم إنما هو ثمرةُ الحب.)
فريدريك نيتشه:
تبدو هذه المقولة مفتاحًا مناسبًا للدخول إلى عالم اللوحة فالحب فيها لا يظهر عاطفةً عابرة، بل قوةً قادرة على عبور الأزمنة وتغيير صورة الأسطورة. إن عنترة الذي حمل السيف دفاعًا عن كرامته، يظهر هنا حاملًا رمزًا صغيرًا للحب، وكأن الفنان يعيد الكشف عن الجانب الإنساني الكامن خلف صورة الفارس والمحارب.
فالعظمة التي يتحدث عنها نيتشه لا تتجسد في القوة وحدها، بل في قدرة الحب على إبقاء الحكاية حيّة، حتى بعد أن تغادر الصحراء والقصيدة وتدخل عالمًا معاصرًا.
ولعل أجمل ما في اللوحة أن عنترة لا يظهر فوق حصانه. الحصان موجود، لكنه يقف بعيدًا، كأنه ينتمي إلى زمن آخر. أما الفارس فقد ترجل، ومضى داخل فضاء لا يشبه ساحات المعارك ولا مجالس القبائل. كأن الأسطورة نفسها أدركت أن زمنها القديم انتهى، وأن عليها أن تمشي الآن بأقدامها وسط مدينة لا تعرف شيئًا عن الفرسان.
عنترة هنا ليس فارسًا تاريخيًا بل رجل يحمل ماضيه معه إلى عالم لم يعد يشبه ذلك الماضي. يحمل السيف، ويرتدي بعض ملامح زمنه القديم، لكن جسده يتحرك داخل عالم حديث. إنه عالق بين زمنين، وهذه المسافة هي التي تمنح اللوحة توترها العميق.
فمحمود شُبَّر لا يرسم عنترة كي يعيد إلينا صورته المألوفة، بل يطرح سؤالًا أكثر راهنية:
ماذا يعني أن تكون عنترة اليوم؟
كان عنترة في الذاكرة العربية فارسًا وشاعرًا وعاشقًا ومحاربًا، ورجلًا واجه التمييز والرفض كي يثبت حضوره ويصنع مكانته. لكنه في هذه اللوحة لا يحمل السيف وحده ففي يده الأخرى دبٌّ أحمر صغير.
وهنا تحدث المفاجأة.
السيف في يد، والدب الأحمر في اليد الأخرى.
القوة والحب.
الماضي والحاضر.
الفارس والأسطورة في مواجهة رمز صغير ينتمي إلى زمننا.
الدب الأحمر هو أحد المفاتيح الأساسية لقراءة العمل. فالحب في زمننا لم يعد يأتي دائمًا في صورة قصيدة أو رسالة طويلة أو فارس يمتطي حصانًا. صار أحيانًا دميةً حمراء صغيرة، أو هديةً بسيطة، أو علامةً مختصرة على مشاعر لا تجد وقتًا طويلًا كي تُروى.
كأن عنترة، بعد أن عاش الحروب والانتظار، اكتشف أن الحب في عصرنا يمكن أن يُحمل باليد.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة:
الفارس الذي ارتبط في الذاكرة بالسيف يحمل رمزًا طفوليًا للحب. وخلف هذا التناقض تختبئ إنسانية عميقة فحتى أكثر الشخصيات بطولةً تحتاج إلى شيء صغير وحنون كي تظل قريبة من جوهرها الإنساني.
ربما يقول محمود شُبَّر
إن البطولة وحدها لا تكفي فالإنسان، مهما حمل من قوة، يبقى محتاجًا إلى الحب، ومهما امتلك من سلاح، يظل بحاجة إلى ما يحفظ رقته في عالمٍ يطالبه دائمًا بأن يكون صلبًا.
أما عبلة، فتظهر خلفه، لكنها لا تبدو امرأةً تنتظر فارسها القديم. إنها حاضرة بهدوء واستقلال، بثوب بنفسجي وغطاء أزرق، داخل هيئة معاصرة لا تشبه أميرةً خرجت من كتاب تاريخي.
وهذا التحول مهم
لأن عبلة لم تعد مجرد غاية يسعى إليها عنترة، بل صارت امرأةً لها حضورها ومساحتها الخاصة. لم تعد تقف داخل الحكاية القديمة، بل دخلت زمنها الجديد.
إنها لا تنتظر أن ينقذها الفارس.
إنها تمشي معه داخل العالم نفسه.
وهنا يعيد الفنان ترتيب العلاقة بين الشخصيتين. فعنترة ليس مركز الحكاية الوحيد، وعبلة ليست ظلًا له. كلاهما يتحرك داخل فضاء معاصر، وكلاهما يحمل ذاكرته، لكنهما يواجهان عالمًا جديدًا لا يمنح الحب الوقت الذي كان يمنحه له الشعر.
في الخلفية الذهبية وباقي الرموز هذه العناصر خلفية،و ذاكرة بصرية كثيفة. يستحضر الفنان روح المنمنمات والزخرفة الشرقية، ثم يضعها إلى جانب إشارات المرور والمظلات والملابس الحديثة.
هنا تتجاور الأزمنة من دون أن يلغي أحدها الآخر.
الماضي لا يختفي، والحاضر لا يبتلع الماضي، بل يلتقيان داخل مساحة واحدة، فتتحول اللوحة إلى منطقة عبور تتداخل فيها الذاكرة مع اليومي، والأسطورة مع تفاصيل الحياة المعاصرة.
وهذا جانب جوهري في تجربة محمود شُبَّر فهو لا يتعامل مع التراث بوصفه قطعةً محفوظة في متحف، بل يضعه في مواجهة الحاضر. لا يعيد إنتاج الموروث، وإنما يعيد اختباره، ويكشف قدرته على التحول ومواصلة الحياة.
ومن أكثر العلامات إثارةً في العمل إشارة المرور التي تمنع الوقوف.
عنترة، الرجل الذي عاش الانتظار والحرب والرحيل والحب الطويل، يقف أمام علامة تقول له:
لا تتوقف.
كأن المدينة الحديثة لا تعرف شيئًا عن الانتظار.
لا مكان للوقوف.
لا وقت للحكايات الطويلة.
لا مساحة لفارس يريد أن يروي قصته كاملة.
فالمدينة تتحرك بسرعة، بينما تحتاج الأسطورة إلى التمهل كي تُسمع.
ومن هنا يتحول الشارع إلى سؤال فلسفي:
ماذا يحدث للحب القديم عندما يدخل عالمًا لا يسمح لأحد بالتوقف؟ وماذا يحدث لعنترة، الذي احتاج إلى عمر كامل كي يثبت حبه، داخل زمن يمكن أن تنتهي فيه العلاقات برسالة قصيرة؟
ربما لهذا يبدو الدب الأحمر شديد الدلالة.
إنه اختصار للحب في عصر الاختصارات.
لكن وجوده في يد عنترة يعيد للحب شيئًا من براءته، وكأن الفارس الذي حمل السيف طويلًا وجد أخيرًا أن ما يحتاجه ليس سلاحًا آخر، بل رمزًا صغيرًا يقول:
ما زلت أحب.
إلى جانب عبلة يظهر الكلب، فيضيف إلى المشهد حضورًا يوميًا بسيطًا. لا شيء هنا يبقى داخل عالم الأسطورة الخالص. الحيوانات واللافتات والمظلات والملابس والدمية، كلها تسحب عنترة وعبلة إلى الحياة اليومية.
وهذا ما يجعل الأسطورة قابلةً للتصديق من جديد.
فالفنان لا يريد أن يبقي الشخصيتين في عالمهما البعيد، بل يمنحهما تفاصيل عادية كي تعودا إلى الحياة وتقتربا من المتلقي. إنهما لا يقفان فوق زمنهما، بل يدخلان عالمنا بكل ما فيه من سرعة وتناقض وتحولات.
ومن الناحية التقنية، تقوم اللوحة على بناء فني أكاديمي كثيف، تتجاور فيه العناصر كما لو أنها أجزاء من ذاكرة واحدة. فالزخارف والكتابات والشخصيات والعلامات لا تظهر منفصلة، بل تدخل في تركيب تتقاطع فيه طبقات متعددة، وتتشابك داخل فضاء يحتفظ لكل عنصر بخصوصيته، من دون أن يفقد انسجامه مع الكل.
لهذا يبدو العمل قريبًا من منطق الكولاج، لا عبر قصّ الصور ولصقها، بل من خلال جمع أزمنة ورموز وذاكرات مختلفة داخل سطح واحد.
إنه كولاج للزمن.
عنترة القادم من الصحراء، وعبلة القادمة من الحكاية، والمدينة القادمة من الحاضر، والدب الأحمر القادم من لغة الحب الحديثة، كلها تلتقي في فضاء واحد.
وهنا تتجلى فرادة اللوحة.
فالفنان لا يسأل: كيف كان عنترة؟
بل يسأل:
كيف يمكن أن يكون عنترة لو ظهر اليوم؟
ربما يمشي بدل أن يمتطي حصانه.
وربما يحمل هاتفًا بدل رسالة شعرية.
وربما يحمل دبًا أحمر صغيرًا لأن الحب في زمننا وجد لنفسه رموزًا جديدة.
لكن رغم كل هذه التحولات، لا يبدو عنترة غريبًا تمامًا. وربما لأننا نحن أيضًا نعيش بين زمنين. نرتدي الحاضر ونحمل الماضي. نعيش في مدن سريعة، لكن في داخلنا شيئًا يريد أن يتوقف. نستخدم وسائل حديثة للتواصل، لكننا ما زلنا نبحث عن الحب والاعتراف والكرامة، كما بحث عنها الإنسان القديم.
لهذا يصبح عنترة صورةً لنا.
لا لأنه فارس، بل لأنه إنسان يحاول أن يعبر عالمًا لا يشبهه، حاملًا معه ما لا يستطيع التخلي عنه.
إنه يحمل ذاكرته كما يحمل الإنسان المعاصر تاريخه الشخصي؛ لا يستطيع أن يعود إليه كاملًا، ولا يقدر على مغادرته تمامًا. ولذلك تبدو خطواته داخل المدينة أشبه بمحاولة للمصالحة بين ما كان وما أصبح، بين الحكاية التي صنعت هويته والعالم الذي يطالبه بأن يعيد تعريف نفسه.
واللوحة في جوهرها لا تستعيد عبارة: كان يا ما كان. بل تقول:
ما زال.
ما زال عنترة حاضرًا في كل إنسان يحاول أن يثبت قيمته أمام عالم لا يمنحه الاعتراف بسهولة.
وما زالت عبلة حاضرة في كل حب يصطدم بالحدود والظروف والزمن.
وما زالت الحكاية حيّة لأن الإنسان، رغم تغير ملابسه وشوارعه وأدواته، لم يتغير كثيرًا في حاجته إلى الحب.
وفي النهاية، لا يقدّم محمود شُبَّر عنترة وعبلة كما نعرفهما، بل يعيد ابتكار حضورهما داخل زمن جديد.
لم يعد عنترة فارسًا يخرج من الصحراء فوق حصانه، بل إنسانًا يمشي في مدينةٍ مزدحمة، يحمل سيفه وذاكرته وحبّه، ويبحث عن مكانٍ لحكايته في عالمٍ لا يمنح الحكايات وقتًا طويلًا.
ولم تعد عبلة امرأةً تنتظر خلف أسوار الرواية القديمة، بل صارت حاضرةً في الزمن نفسه، تمشي إلى جواره لا خلفه.
وبين السيف والدب الأحمر، وبين الحصان وإشارة المرور، وبين الزخرفة الشرقية والمدينة الحديثة، تتولد المفارقة التي تمنح العمل فرادته.
إن محمود شُبَّر لم ينقل عنترة وعبلة إلى زمننا.
لقد جعل زمننا يدخل إلى حكايتهما.
وهنا تكمن قيمة اللوحة:
فالأسطورة لا تبقى حيّة لأنها تظل كما كانت، بل لأنها تستطيع أن تتغير من دون أن تفقد جوهرها.
لقد تبدلت الأزمنة، وتغيرت الشوارع والملابس والرموز، لكن الإنسان ما زال يبحث عن الحب والكرامة والاعتراف.
ولهذا لم يخرج عنترة من القصيدة وحده.
لقد خرجت القصيدة معنا إلى الحياة.
فالحب الذي حمله عنترة في قلبه قديما ربما صار اليوم دباً أحمر صغيراً
لكن القلب
مازال هو القلب نفسه.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


