**”” *قراءة لفسيفساء أنطاكية و فسيفساء علانية *****
أمجد سيجري Amjad Sijary
في اللوحة الأولى : فسيفساء من انطاكية على نهر العاصي من العصر الروماني المتأخر يرجح تأريخها بين القرنين الثاني والثالث للميلاد كانت جزءا من ارضية بيت في قاعة استقبال او بهو يمر عبره الداخلون الى هذا المنزل في مركز اللوحة تظهر عين كبيرة تحيط بها رماح وسيوف ومشط حاد وغراب وكلب منقض وحيوانات او حشرات صغيرة وعلى اليسار شخصية قزمية تعزف على الة نفخ وفوق المشهد نقش يوناني قصير ΚΑΙ ΣΥ كل هذه العناصر تدل على ان الموضوع مقصود وموجه للضيوف .العين في المركز ليست عينا جميلة او واقعية بل هدفا للاسلحة والحيوانات الجارحة والكائنات المؤذية فكرة الفسيفساء : ان العين الشريرة هي عرضة للعقاب في حال ارادت السوء بصاحب المنزل . تستند هذه الفكرة الى ايمان قديم في مناطق البحر الأبيض المتوسط عموما و المناطق الرومانية تحديدا على قدرة العين على التأثير بالمحيط وفق نظرية الانبعاث القديمة التي تفسر الرؤية لذلك اعتقدوا ان العين تطلق شعاعا ضارا هو ما يسبب الأذى بأصحاب المكان .هنا اللوحة الشعاع الى الحاسد فيطعن عينه و الغراب بدلالته على النحس والموت والكلب المهاجم بما يمثل من حراسة وعدوان يصبان المعنى في اتجاه واحد كل القوى العنيفة متحالفة ضد العين المؤذية العبارة ΚΑΙ ΣΥ وانت ايضا تضفي بعدا خطابيا مباشرا فهي لا تشرح ما نراه بل تخاطب الناظر نفسه كأن اللوحة تقول اذا جئت بعين حاسدة فسيصيبك ما تراه فتتحول الفسيفساء الى لعنة معكوسة من يحمل نية الاذى بعينه والقزم بالصورة بملامحه المشوهة وعضوه المبالغ فيه يضيف طبقة من السخرية والفحش المقصود بذلك ارباك القوى الشريرة اذ يزخر تاريخ ايقونوغرافيا البحر المتوسط بصور مضحكة او فاضحة لطرد النحس فيصبح البيت نفسه تميمة ارضية تداس بالاقدام لكنها في وعي ساكنيها حاجز غير مرئي يكسر نظرات الحسد قبل ان تتوغل الى الاعمق .في اللوحة الثانية: نرى فسيفساء ΟΦΘΟΝΟΣ ΛΑΚΗΣΙ المكتشفة حديثا جدا قرب علانية جنوب تركيا عثر عليها محفوظة جيدا عند مدخل مبنى سكني كبير وتنتمي الى تقليد فسيفسائي متوسطي متأخر يرجح تأريخها الى القرون الميلادية الاولى تشغل اللوحة مساحة دائرية تتوسطها كتابتان يونانيتان على سطرين ΟΦΘΟΝΟΣ ΛΑΚΗΣΙ وتحيط بالدائرة سلسلة من الثعابين الملونة المتشابكة كعصى اسكليبيوس تشكل اطارا ديناميكيا قويا حول النص موضع اللوحة في فراغ داخلي واحتمال وجود فسيفساء اخرى مكملة في الغرفة يشيران الى برنامج زخرفي فكري فالكتابة واضحة والثعابين بارزة والرسالة موجهة لمن يمر فوقها لغويا تحمل الكلمة الاولى ΟΦΘΟΝΟΣ جذر φθόνος اليوناني اي “الحسد” او الغيرة المؤذية فتسمي الفسيفساء مصدر الشر باسمه بدلا من الاكتفاء برمز العين الكلمة الثانية ΛΑΚΗΣΙ يمكن فهمها بوصفها صيغة تدل على الاتجاه او الغاية فيقترب معنى العبارة من على الحسد الهلاك او “ليهلك الحسد” او بالعامية بما معنها المثل العامي ” الحسود يفقع ويموت ” .اي دعاء مختصر ضد هذه القوة المعنوية نحن هنا امام تعويذة لغوية تشبه ما نجده لاحقا في الاحجبة المكتوبة تسمية الشر ثم اطلاق لعنة عليه الثعابين الملتفة حول النص تضيف بعدا بصريا معقدا فالثعبان في المخيلة المتوسطية يجمع بين دلالة السم والمرض ودلالة الشفاء والتجدد وحين تحيط ثعابين عديدة بكلمة الحسد يمكن فهمها طوقا حارسا من السم مكرسا ضد الحسد نفسه او حلقات حماية تلف البيت وتحاصر كل محاولة لايذائه بنظرة وجود النص في المركز والافاعي كاطار يجعل اللغة قلب التعويذة والصورة خادما لها فلا نرى العين هنا بل نقرأها وبذلك تمهد هذه الفسيفساء لتقاليد لاحقة تعتمد على قوة الكلمة وحدها مثل الواح اللعنات الرصاصية والصيغ المنقوشة على الخواتم والتمائم .في الختام اذا نظرنا الى اللوحتين ضمن تاريخ اوسع للاعتقاد بالعين وجدنا انهما حلقتان في سلسلة طويلة تبدأ من حضارات الشرق الادنى القديمة ولا تزال ممتدة حتى اليوم لم ير الانسان القديم الحسد كحالة نفسية فقط بل كقوة فعالة تكاد تكون فيزيائية تخرج من العين شعاعا غير مرئي او يفسد الجسد والرزق والعلاقات هذا التصور مهّد لنظرية الانبعاث في الفلسفة اليونانية التي رأت ان العين تبعث نورا يخرج منها نحو الاشياء وحين دخلت هذه الفكرة الخيال الشعبي صارت العين الحاسدة عينا تطلق طاقة ضارة تمرض او تقتل في .على امتداد هذا الخط التاريخي تتغير المادة الحاملة للتعويذة لكنها تحتفظ بمنطقها الداخلي في البداية حجر منحوت او جدار معبد ثم فسيفساء ارضية ثم خرزة زجاجية صغيرة ثم ورقة مكتوبة او قلادة معدنية في كل مرة تتكثف الفكرة نفسها ضرورة وجود عين او علامة توضع بين الانسان ونظرات الاخرين تمتص الشر او تعكسه الخرزة الزرقاء بوصفها عينا مصغرة تلخص عين حورس والتمائم الفينيقية و بهذا لا تكون هاتان اللوحتين مجرد قطع فنية من الماضي بل شواهد على حاجة الانسان الدائمة الى نسج شبكة دفاع رمزية حول ما يهمه جسده ورزقه وعائلته العين الشريرة في هذا التصور ليست فقط عين الاخر بل ايضا هشاشة الذات امام نظرة الخارج والتميمة سواء تجلت في عين مطعونة او كلمة الحسد المحاصرة بالثعابين او خرزة زرقاء في عنق طفل هي محاولة لاقامة حدود غير مرئية حول النفس حدود ترسمها الرموز والكلمات لا الجدران وتجمع هذه الاعمال بين الفن والعقيدة والخوف والامل في مادة بسيطة من حجر او زجاج او نص تَعد صاحبها بان الشر اذا انطلق من العين فهناك دائما ما يستقبله ويعيد توجيهه بعيدا عنه .
#أمجد سيجري Amjad Sijary # مجلة ايليت فوتو ارت..


