د. إيمان بشير ابوكبدة
كشفت دراسة علمية حديثة أن النشاط الكهربائي للدماغ لا يعكس فقط الحالة اللحظية للفرد، بل يتأثر بعوامل أساسية مثل جودة النوم والعمر، ما قد يغير من طرق فهم وتشخيص العديد من الاضطرابات العصبية.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية eNeuro، أن إشارات الدماغ تختلف بشكل واضح بين الأطفال والبالغين، كما تتبدل تبعاً لتاريخ النوم وجودته، ما يشير إلى أن النوم يلعب دوراً أعمق مما كان يُعتقد سابقاً.
ويعتمد الأطباء على قياس النشاط الكهربائي للدماغ في متابعة حالات مثل الصرع واضطرابات النوم، إلى جانب استخدامه في دراسة طيف واسع من الأمراض العصبية والنفسية، وهو ما يجعل هذه النتائج ذات أهمية خاصة.
وأجرى الباحثون تحليلاً دقيقاً لإشارات الدماغ لدى مجموعة من الأفراد من مراحل عمرية مختلفة، بدءاً من الطفولة وحتى بدايات البلوغ، مع التركيز على مكونات الإشارة التفصيلية بدلاً من المؤشرات العامة فقط.
وأظهرت النتائج أن إشارات الدماغ ليست نمطاً ثابتاً، بل تتكون من عدة عناصر تعكس وظائف مختلفة للشبكات العصبية، وقد ركزت الدراسة على أربعة مؤشرات رئيسية تبين أنها تتأثر بالعمر والنوم بشكل ملحوظ.
أول هذه المؤشرات هو قوة الإشارة الكهربائية، والتي ترتبط بمستوى النشاط العام في الدماغ، حيث تختلف بين الأطفال والبالغين نتيجة تطور البنية العصبية، كما تتأثر بشكل مباشر بقلة النوم أو جودته.
أما المؤشر الثاني، فيرتبط بطريقة توزيع الإشارة عبر ترددات مختلفة، وهو ما يعكس كيفية تنظيم الدماغ لحالات الانتباه والهدوء والمعالجة الذهنية، وقد تبين أن النوم الجيد يساعد على تحقيق توازن أفضل في هذا التوزيع.
ويتمثل المؤشر الثالث في التفاعل بين العمر والنوم، حيث أظهرت الدراسة أن تأثير النوم يختلف من مرحلة عمرية لأخرى، خاصة فيما يتعلق بعمليات التعلم وتثبيت الذاكرة، ما يعني أن نفس عدد ساعات النوم قد يعطي نتائج مختلفة بحسب العمر.
أما المؤشر الرابع، فيكشف عن اختلافات تطورية لافتة، إذ تتحرك بعض مكونات الإشارة في اتجاه معين لدى الأطفال بعد النوم، بينما تسير في الاتجاه المعاكس لدى البالغين.
وتبرز هذه النتائج الطبيعة الديناميكية لنمو الدماغ، وتؤكد أن النوم ليس مجرد فترة راحة، بل عملية نشطة لإعادة تنظيم الوظائف العصبية.
كما أشار الباحثون إلى أن جودة النوم قد تكون عاملاً أكثر تأثيراً من الأعراض السلوكية في تفسير اختلافات إشارات الدماغ، حتى لدى الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، حيث لم تظهر فروق واضحة اعتماداً على التشخيص وحده.
وتفتح هذه الدراسة المجال أمام تطوير طرق تحليل أكثر دقة، ما قد يسهم في تحسين التشخيص ووضع خطط علاجية أكثر تخصيصاً، مع التأكيد على أن نشاط الدماغ هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية وسلوكية وزمنية.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


