حارس التوازن وجلاد الأفاعي: قصة النمس السوري بين الموروث التاريخي والأهمية البيئية
بين صخور المرتفعات الجبلية المحيطة بالعاصمة السورية، وامتداد الأودية الخصبة في الساحل والداخل، يتحرك كشبح رمادي خاطف؛ جسد مرن انسيابي كأنه صُمم ليتلوى بين الشقوق، وعينان ثاقبتان تشعان ذكاء حاداً. إنه النمس السوري الأصيل، أو ما يُعرف شعبياً في بعض المناطق باسم السمّور. هذا الكائن الذي عاد ليشغل الشارع السوري مؤخراً بعد تسجيل ظهور متكرر له في بعض الأحياء السكنية المتاخمة للطبيعة مثل جبل قاسيون وحي زين العابدين، فاتحاً الباب من جديد لقراءة سيرة واحد من أغرب الحيوانات البرية وأكثرها فائدة لمنظومتنا الحيوية.
رفيق الحضارات القديمة: موروث ضارب في التاريخ
لم يكن النمس السوري مجرد حيوان عابر في جغرافيا بلاد الشام؛ بل هو رفيق تاريخي استوطن المنطقة منذ آلاف السنين. تشير الدراسات البيئية والتاريخية إلى أن الفصائل المحلية مثل النمس المصري والنمس الرخامي السوري عاصرت أعظم الحضارات القديمة التي مرت على المنطقة.
وفي الموروث الحضاري لشرق المتوسط، حظي هذا الحيوان بتقدير استثنائي من المزارعين والقبائل القديمة؛ فقد اعتُبر بمثابة جهاز الأمان الطبيعي وخط الدفاع الأول لحماية البيوت والتجمعات البشرية من خطر الزواحف الفتاكة، في أزمان غابت فيها اللقاحات ومضادات السموم الطبيّة.
شفرة البقاء الاستثنائية: رقصة الحرب والحصانة الجينية
الميزة التي تجعل من النمس السوري معجزة بيولوجية حقيقية تكمن في خريطته الجينية. يمتلك النمس طفرة وراثية فريدة تمنحه مقاومة طبيعية خارقة ضد سموم الأفاعي بما فيها الأفاعي السامة المستوطنة في البيئة السورية.
عندما يتعرض للدغة أفعى، فإن الجزيئات السامة تعجز عن الارتباط بمستقبلاته العصبية، مما يمنحه حصانة استثنائية. ولا يتوقف دهاؤه عند هذا حد؛ بل يمتلك تكنيكاً قتالياً أسطورياً يعتمد على الرشاقة والمراوغة، حيث يخوض مع الأفاعي السامة ما يشبه رقصة الحرب السريعة والمنهكة، مستغلاً فروه الخشن المقاوم، حتى تفقد الأفعى طاقتها تماماً، لينقض عليها بفكيه القويين محققاً النصر في أجزاء من الثانية.
صفات مظهرية وسلوك يثير الحيرة
يمتلك النمس جسداً مستطيل الشكل منخفضاً وقريباً من الأرض، يغطيه فرو خشن تتراوح ألوانه بين الرمادي والبني المائل للمحرّق، مدعوماً بقوائم قصيرة ذات مخالب حادة تساعده على حفر الجحور وتسلق الجدران والأشجار بسرعة خاطفة.
كما يمتلك النمس حنجرة مرنة تصدر ترددات غريبة. وفي لحظات الإثارة، أو مواسم التزاوج، أو عند شعوره بالخطر ليلاً، يصدر عواءً حاداً يشبه إلى حد كبير صوت بكاء الأطفال الرضع، وهو التكتيك السمعي الذي أثار دهشة وفضول سكان المدن عند سماعه فوق الأسطح المهجورة.
ويُصنف النمس كأحد أذكى الثدييات الصغيرة؛ فهو كائن شديد الحذر، يمتاز بذاكرة قوية، ويعيش أحياناً في مجموعات عائلية منظمة تتقاسم أدوار الحراسة والصيد وحماية الصغار.
ثنائية الأهمية البيئية والجدوى الاقتصادية
بالرغم من السمعة السلبية العابرة التي تلاحق النمس نتيجة غاراته الفردية على قن دجاج أو سرقة بيض الحمام في القرى والمزارع، إلا أن ميزانه البيئي والاقتصادي يرجح كفته كعنصر لا غنى عنه:
- التوازن البيئي ومنظف الطبيعة: يعمل النمس كصمام أمان حقيقي لمنع اختلال الطبيعة؛ فلولا وجوده لتضاعفت أعداد الجرذان والقوارض والأفاعي بشكل عشوائي ومرعب. هو يساهم بشكل فعال في كبح انتشار الأمراض الأوبئة التي تنقلها الفئران، ويقلل من الكثافة العددية للزواحف السامة.
- الجدوى الاقتصادية وصديق الفلاح والموازنة: يوفر النمس على القطاع الزراعي مبالغ طائلة؛ فاعتماده الأساسي في الغذاء على القوارض يمنع تلف المحاصيل الحقلية الاستراتيجية، ويحمي شبكات الري الحديثة من التخريب. كما أنه يمثل بديلاً مجانياً وصديقاً للبيئة يغني المزارعين عن شراء المبيدات والسموم الكيميائية المكلفة والضارة بالتربة والمياه الجوفية.
إن النمس السوري ليس مجرد حيوان عابر أو دخيل يثير الذعر عند ظهوره المفاجئ، بل هو جزء لا يتجزأ من الهوية البيئية السورية وحارس خفي للمنظومة الحيوية. إن اتساع رقعة المدن نحو حواضن الجبال والأودية الطبيعية يستوجب منا اليوم نشر الوعي بضرورة حماية هذا الكائن، وعدم ملاحقته أو تسميمه؛ لأن الحفاظ عليه هو استثمار ذكي ومباشر في صحة البيئة واستدامة اقتصادنا الزراعي.
المصدر :الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا (GCSAR): وتحديداً الأبحاث والدراسات الميدانية التي نشرها خبراء وباحثو الحياة البرية السورية مثل الباحث المهندس أحمد أيدك والتي وثقت انتشار الفصائل المختلفة من النمس كالنمس المصري (السمور)، وتوثيق النمس الهندي الصغير.
فادي الناقولا
#السوريات#مجلة ايليت فوتو ارت.


