اللاماسو.. حين صاغ العراقيون القدماء هيبة الأرض بأجنحة السماء
قبل آلاف السنين، حين كانت مدن العراق القديم ترتفع على ضفاف دجلة والفرات، لم يكن الفن مجرد محاولة لتجميل الحجر، بل كان وسيلة لفهم العالم، وتجسيد السلطة، ومخاطبة المجهول. ومن بين الكائنات التي خرجت من قلب هذا الخيال الحضاري المهيب، يقف اللاماسو شامخاً رأس إنسان يفكر، وجسد ثور أو أسد يختزن القوة، وأجنحة تمتد نحو السماء. كأن الفنان العراقي القديم أراد أن يجمع في جسد واحد ما تفرّق في الطبيعة من حكمة وقوة وهيبة، وأن يمنح الحجر روحاً تقف على الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلهة، وبين الأرض والسماء.
إنه واحد من أكثر الأشكال النحتية إدهاشاً في فنون العراق القديم؛ كائن لا ينتمي بصورة كاملة إلى الأرض، ولا يغادرها تماماً إلى السماء. يقف عند البوابات، صامتاً وثقيلاً، لكنه يحمل في هيئته خطاباً واضحاً: خلف هذه الأسوار حضارة تعرف قوتها، وملك تحرسه قوى تتجاوز عالم البشر.
ارتبط اللاماسو على نحو خاص بالفن والعمارة الملكية الآشورية، حيث نُصبت تماثيله الضخمة عند مداخل القصور والبوابات، كما في دور شروكين خورسباد ونينوى. ولم يكن اختيار مكوناته اعتباطياً، بل جاءت هيئته المركبة نتيجة منظومة رمزية جمعت خصائص متعددة في كائن واحد.
فالرأس البشري يمثل العقل والحكمة والقدرة على المعرفة والتدبير. وهو رأس مهيب غالباً ما تحيط به لحية كثيفة مصاغة بعناية شديدة، ويعلوه غطاء للرأس يؤكد المكانة والسلطة. لم يكن الإنسان هنا ممثلاً بقوته الجسدية، وإنما بأعظم ما يمتلكه: العقل.
أما جسد الثور أو الأسد فيحمل دلالة أخرى. الثور بقوته وكتلته وصلابته أصبح تعبيراً عن القدرة والثبات والخصوبة، بينما يستحضر الأسد الشجاعة والسطوة والهيمنة. وهكذا اكتسب الكائن جسداً لا يكفيه أن يكون حياً، بل ينبغي أن يكون أقوى مما يهدده.
ثم تأتي الأجنحة لتكسر ثقل الجسد.
وهنا تكمن إحدى أجمل المفارقات البصرية في اللاماسو
جسد هائل يرتبط بالأرض، وأجنحة عظيمة ترفعه رمزياً نحو السماء. لقد أضاف الجناح إلى القوة معنى السرعة والعلو والسيادة، ومنح الكائن بعداً يتجاوز قوانين الطبيعة المألوفة. فلم يعد أمامنا ثوراً أو أسداً، وإنما قوة قادرة، في المخيلة الدينية، على عبور الحدود بين العوالم.
ومن اجتماع هذه العناصر الثلاثة ــ عقل الإنسان، وقوة الحيوان، وأجنحة الكائن السماوي ــ وُلدت صورة تتجاوز مجموع أجزائها. فاللاماسو ليس تركيباً غرائبياً أُلصقت عناصره بعضها ببعض، وإنما فكرة نحتية متكاملة أرادت بلوغ نموذج من القوة الخارقة والحماية.
ولذلك كان موقعه المعماري بالغ الأهمية.
لم يوضع اللاماسو عادةً في زاوية خفية من القصر لكي يُتأمل كقطعة فنية منفصلة، وإنما ارتبط بالمدخل والبوابة والممر. وهذه المنطقة في العمارة القديمة ليست مكاناً عابراً فحسب؛ إنها الحد الفاصل بين الخارج والداخل، وبين الفضاء العام والحيز الملكي، ولذلك احتاجت، وفق المعتقدات السائدة، إلى قوة حارسة.
كان القادم إلى القصر يواجه كتلة حجرية هائلة قبل أن يصل إلى الملك. وفي تلك اللحظة يبدأ الفن بأداء وظيفة سياسية ونفسية إلى جانب وظيفته الدينية. فالزائر لا يرى تمثالاً وحسب، وإنما يرى صورة مكثفة عن الدولة نفسها: دولة تمتلك العقل والقوة والقدرة على السيطرة.
ومن أكثر التفاصيل عبقرية في بعض تماثيل اللاماسو أنها صُممت بخمس قوائم بدلاً من أربع. قد يبدو الأمر غريباً عند النظر الأول، لكنه يكشف عن ذكاء بصري استثنائي لدى النحات الآشوري. فمن يشاهد التمثال من الأمام يراه ثابتاً على قائمتين، فيبدو راسخاً ومواجهاً للقادم. وعندما يتحرك المشاهد لينظر إليه من الجانب، تظهر أربع قوائم فيبدو الكائن سائراً إلى الأمام.
إنه ساكن ومتحرك في الوقت نفسه.
وبهذا الحل البصري استطاع النحات أن يمنح الكتلة الحجرية حالتين متزامنتين: الهيبة في المواجهة والحركة في العبور. وكأن الحارس الأسطوري لا يكتفي بالوقوف أمام البوابة، بل يستطيع أن يرافق الداخل بنظره وحركته الرمزية.
لكن اللاماسو يتجاوز استعراض القوة السياسية إلى معنى أعمق يتعلق بعلاقة الإنسان العراقي القديم بالعالم غير المرئي. فقد ارتبطت الكائنات الحامية بفكرة صدّ الشر وحماية الأماكن المهمة، ولذلك كان وجودها عند المداخل جزءاً من منظومة دينية ورمزية ترى أن المكان لا تحميه الأسوار والجنود وحدهم، بل يحتاج كذلك إلى حماية ذات طبيعة مقدسة.
ومن هنا نستطيع فهم الرهبة التي تصنعها هذه التماثيل. فحجمها الهائل ليس استعراضاً تقنياً فقط، بل جزء من معناها. كان على الإنسان الواقف أمامها أن يشعر بصغر حجمه قياساً إليها، وأن يدرك قبل عبوره البوابة أنه يدخل فضاءً مختلفاً؛ فضاء السلطة الملكية والنظام الإمبراطوري والعالم المقدس.
ولعل أكثر ما يجعل اللاماسو باقياً في الذاكرة الإنسانية حتى اليوم هو تلك القدرة العراقية القديمة على تحويل الفكرة المجردة إلى صورة لا تُنسى.
#جيل لن يتكرر من المبدعين#مجلة ايليت فوتو ارت.


