من مورفولوجيا المسخ إلى يوتوبيا العودة: دراسة في متخيل القاص أنيس الرافعي الناقد نور الدين طاهري تطرح قصص أنيس الرافعي مأزقا وجوديا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، ليرتفع بها إلى مصاف التجريب الذي يشرح ميكانيكا الكينونة في أدق تجلياتها. تقوم العوالم القصصية عنده على مختبر تجريبي تتداخل فيه فيزيائية الجسد مع ميتافيزيقا الفضاء، حيث تتحول الكائنات الهامشية إلى مرايا عاكسة لأزمات الوجود الكبرى. في مونولوج السحلية، لا يتوقف الأمر عند الوصف الخارجي لكائن البازيليسك، بل يمتد لتفكيك رموز الوحشة التي تجعل من هذا الكائن قناعا للمبدع، أو تجسيدا للفردانية الساقطة في شرك الأرض، محولة السيرك المتوهم إلى مسرح لدراما تتصارع فيها الذاكرة الأسطورية مع الركود الواقعي.يُشيد الرافعي معمارا أدبيا عابرا للأجناس، يمزج فيه بين تحولات كافكا وعجائبية بورخيس في منطقة رمادية تفصل بين الحقيقة العلمية والجموح المتخيل. هنا، لا يبدو المونولوج مجرد بوح ذاتي، بل هو مرآة لعملية خلق ميتاسردية تمسخ الواقع لتحوله إلى تخييل وعر. السحلية في هذا السياق ليست مجرد كائن بيولوجي، بل هي ذاتا واعية منفية، تنوء بذاكرة بينجمية تتجلى خفتها في المشي فوق الماء والركض المتبختر؛ إعلانا عن طبيعة مركبة تجمع أشتات “الضفدع، والثعبان، والديك، لو اتفقوا على الاجتماع في خزانة جسد واحد”.هذا المزيج الذي يستحضر صورة البازيليسك الأخضر الحامل لخوذة منقطة، يظهر “شبيهة بجندية مرابطة في جبهة عسكرية حدودية” على ضفاف بحيرة تكوينية راكدة. وتبرز سيميائية المكان هنا بوصف البحيرة سجنا مائيا يعطل الزمن، بينما يمنح اللون الأخضر دلالة التمويه الحربي لكائن يعيش استنفارا دائما ضد محيطه، في مفارقة تراجيدية بين قدراته الكونية وعجزه الأرضي. ويتجلى تذبذب الكينونة بين زاحف ولائجة سقطت من المدارات، حاملة على ظهرها “ما يشبه الشراع البحري المرفوع، شريطا شوكيا”، وأصابع قادرة على تكوين “وسائد هوائية تحت قدمي الخلفيتين” تمنحها سيادة مؤقتة على العناصر، مما يضعنا أمام حالة من التردد الفانتازي بين الطبيعي والخارق.ينتقل المشهد من حدود البحيرة إلى اتساع السماء حين يعاين الكائن العبور الخاطف للجرم أوموا-موا. هذا الجرم الذي حسبته “عيون بعض البشر الحمقى” مجرد كويكب عابر، يغدو في وعي السحلية رسولا يحمل ذاكرة الحضارة الأم، و”مسبار تجسس، صنع من جليد الهيدروجين” أقبل منذ ملايين السنين. هنا يسخر النص من الرؤية البشرية القاصرة التي تكتفي برصد القشور عبر “مقراب المسح البانورامي”، بينما تدرك السحلية حقيقة الموفد الذي بعثته حضارتها المتفوقة “معبأ بالعشرات من الزواحف ذوات الأربع من أشباهي”. هذا التباين يخلق صراعا سوسيولوجيا بين وعي المتفرد وسطحية القطيع الذي يفتقر للبصيرة.وتكشف القراءة عن تراجيديا السقوط من المطلق إلى النسبي؛ فهذه الكائنات التي كانت تملك قدرات خارقة على “القتل بواسطة الرائحة، أو حتى بمجرد النظر، وكذا على تجفيف النبات، وابتكار الصحراء”، واجهت صدمة الواقع حين تم إنزالها على أديم الأرض بواسطة “فقاعات فضائية متطورة، سرعان ما انفجرت، بمجرد ملامستها للسطح”. تحولت الكفاءة الخارقة إلى عطالة، وفرضت على الناجين تزييف وجودهم عبر “التخفي داخل ألوان الطبيعة” في محطة انتظار أزلية تسمى الأرض. وتنساب اللغة بنبرة جنائزية تعكس نبض الكائن المقموع، مستندة إلى مرويات الأجداد حول “العظاءات الأولى المنقرضة، من ذوات القرون، النافثة للدم من عيونها كثقوب النوافير”؛ وهو فعل يرمز لفيض الألم الذي يستحيل سلاحا يائسا لصون الهوية المقموعة تحت وطأة الجاذبية.ويمثل توظيف الهوامش والإحالات في هذا النص إستراتيجية فنية تتجاوز وظيفة الشرح التقليدية، لتصبح جزءا لا يتجزأ من المعمار السردي. فالهامش عند الرافعي هو مختبر مواز تُصهر فيه الحقائق العلمية مع الأساطير لتعميق حالة المسخ؛ إذ يمنح الجرم أوموا-موا شرعية تضطر القارئ إلى التردد بين الحقيقة والخيال. كما أن استحضار شخصية ميدوزا يبرر مورفولوجيا الكائن وحاجته للتمويه، ويجعل من الهامش مرجعية أخلاقية تبرئ السحلية من تهمة القبح، بينما تمنح المعلومات البيولوجية عن بصق الدم ثقلا واقعيا يحول المجاز السردي إلى حقيقة مادية صادمة، تدمج الفلك بالأسطورة لتعيد بناء المخيال الأسطوري داخل إطار الحداثة العلمية.ينفتح النص على يوتوبيا العودة؛ حيث الحنين ليس لفراديس خضراء، بل “لحمم البراكين المشتعلة”، حيث كانت “الجلود المصفحة تتزحلق دون أن تحترق بدفقة نار واحدة”. لقد نجح أنيس الرافعي في تحويل المسخ إلى جوهر معرفي، وجعل من السحلية شفرة كونية ترقب بلهفة مركبتها المخلصة التي ستحملها بعيدا عن الجاذبية الأرضية. إن العمل في كليته وثيقة احتجاج ضد التشييء وضد سلطة الرقابة البشرية، مذكرنا بأن الوجود الحق قد يكمن في تلك النيران البعيدة التي تمنح الهويات العالية شرعية البقاء خارج سياق الاضمحلال الأرضي.الهوامش والإحالات:1- أنيس الرافعي: حكايات سيرك الحيوانات المتوهمة (المصدر الأساسي للنص).2- عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة (لتحليل مفاهيم المسخ، الهجنة، واستراتيجيات التخفي في الأدب العربي)
.3- تزيفتان تودوروف: مدخل إلى الأدب الفانتازي (لفهم آليات التردد بين الواقعي والخارق وسلطة الهوامش المعرفية). ********النص المرجعيمونولوج السحلية ( 20)حكايات سيرك الحَيَوانَات المُتَوهَّمَة:الحكاية 20 : مونولوج السحلية [ بازيليسكيس ]أنيس الرّافعي تستطيعُ أن تسبحَ ، وتغوص ، وتعوم ، وتلعب على رسلك ، وكما يروقُ ويحلُو لك . لكن أن تمشي راكضا ، متبخترا ، بكلّ هذه الخفّة ، والنضارة، والسرعة الجهنميّة، فوق الماء مثلي تماما ، أو بالأحرى مثل كرامة السيد المسيّح في الأسطورة ، أو مثل الضفدع، والثعبان، والديك ، لو اتّفقوا على الاجتماع في خزانة جسد واحد لأحد الزواحف الجهنميّة، فيلزمك ، حتما ، أن تكون سحلية ” بازيليك ” خضراء ، مريّشة، ثنائيّة العرف ، من النوع الحامل للخوذة المنقّطة ، تلك التي تجعلها تتجلّى للرائي ، شبيهةً بجنديّة مرابطة في جبهة عسكريّة حدوديّة . وهذا بالضبط ، ما كنتُ أتسلّى به ليلاً ، داخل رحاب هذه البحيرة التكوينيّة، الراكدة بين جبلين خفيضين ، حاملةً على امتداد ظهري المستقيم ، ما يشبهُ الشراع البحريّ المرفوع ، شريطا شوكيّا ، وهازّة ، بلا كلل ، على نحو متتابع ، صفحة الماء الناصعة بزعانفي وأصابع أطرافي الخلفيّة ، القادرة على تكوين وسائد هوائيّة تحت قدميّ الخلفيتين .. كنتُ أتسلّى ، فإذا بي أكبحُ ، لبرهة، اندفاعي و لهوي ، كي أعاينَ ، في عرض السماء، العبور الخاطف للمبجّل المهيب ” أوموا – موا ” (*). ” أوموا – موا ” الذي حسبتهُ عيون بعض البشر الحمقى ، المتطلّعين إليه عبر مقراب المسح البانوراميّ ، جرما بينجميّا غريب الأطوار، شاذّ الخصال، يمرّ عبر النظام الشمسيّ، أو كويكبا أسطوانيّا ضئيلا ، كأنّه رسالة غامضة في زجاجة سوداء، منطلقة بين الكواكب السيّارة ، كما عدّهُ آخرون ، أكثرَ بلاهة، مذنّبا ضائعا ضالعا في التيه على غير هدى ، صنو زائر من عالم آخر ، أو سائح بين الأفلاك . في حين، ما هو في الواقع ، إلا ” الرسول المُوفدُ ” ، حسب لغة سكان ” هاواي ” الأصليّين ، الذين كانوا أوّل من تعرّفوا على حقيقته الناصعة ، من خلال نبوءات سحرتهم الجبّارة ، بوصفه مسبار تجسّس ، صُنع من جليد الهيدروحين ، ويمكنهُ أن يتحلّل إلى سحابة غبار وقتما شاء ، أقبلَ منذ ملايين السنين، من امتدادات الفضاء الأقصى اللانهائيّ ، كانت قد بعثتهُ حضارتي الذكيّة ، المتفوّقة، من خارج مدار الأرض، معبّأ بالعشرات من الزواحف ذوات الأربع من أشباهي، اعتباراً لقدرتنا المذهلة على القتل بواسطة الرائحة ، أو حتّى بمجرّد النظر ، وكذا على تجفيف النبات ، وابتكار الصحراء ، وإضرام النار في كسارات الصخر ، وتحويل الكائنات الحيّة إلى حجر، من دون التعرّض لطائلة لعنة الوصم بالشناعة ، أو انمساخ فروة الرأس إلى حيّات مرعبة (**) . لا أعرف ماذا وقع ، فيما بعد ، على وجه اليقين ، إذ تخلّت عنا فجأة كفاءتنا الخارقة ، كما أنّه من المؤكّد أنّ جميع من كانوا على متن تلك المركبة الفضائيّة ، المموّهة على هيئة جلمود عملاق أسود ، قد ماتوا ، منذ زمن سحيق، في ظروف مبهمة ، تحديدا من ساعة أن تمّ إنزالنا على أديم الأرض ، بواسطة فقاعات فضائيّة متطوّرة ، سرعان ما انفجرت ، بمجرّد ملامستها للسطح . أخبرني بكلّ هذا جدّي ، نقلا عن رواية أسلافه من العظاءات الأولى المنقرضة ، من ذوات القرون، النافثة للدم من عيونها كثقوب النوافير (***) . ومنذ ذلك التاريخ القديم ، و ” أوموا – موا ” يجولُ ، ويطوف على غير طريق واضحة ، من دون بصيرة أو توجيه ، لا تزيدهُ سرعة السير بين مدارات النجوم اللامعة إلا بُعداً ، دون أن يرتبط بجاذبيّة أيّ منها ، أو يتمّ التقاط صورته من قبل المراصد الفلكيّة ، بينما نحن ، جيلا تلو جيل ، نقيمُ هنا في محطّة الانتظار الأزليّة، والكبيرة هاته ، التي هي الأرض ، نُزيّف وجودنا بالتخفّي داخل ألوان الطبيعة ، ثمّ نحلمُ ، ونترقّب بفارغ الصبر ، أن تحطّ ، ذات يوم ، مركبتنا الفضائيّة المُخلّصة ، كي تحملنا إلى مسقط رؤوسنا، هنالك ، بعيدا ؛ بعيدا جداً ، حيث كنا نتزحلق فوق حمم البراكين المشتعلة ، دون أن تحترق جلودنا المصفّحة ، بدفقة نار واحدة ! ******* • إحالات :(*)” أوموا – موا ” : كويكب غامض، دخلَ مجموعتنا الشمسيّة ، قادماً من مجموعة شمسيّة أخرى . ويرجح المتخصّصون أنّ ذلك الكويكب كان يسبح في الفضاء باتجاه مجموعتنا الشمسيّة ، قبل أن يعبر مجرتنا ، ويختفي فجأة في أعماقها . وقد أكّد أبرز العلماء ، في مضامين البحوث التي نشروها على صفحات كبريات الدوريات ، أنّ هذه الظاهرة تعتبر سابقة في علم الفضاء، لأنّ ” أوموا – موا ” ، هو أول جرم سماويّ يتنقّل بين النجوم ، ليس داخل مجموعتنا الشمسيّة فحسب ، ولكن من مجموعة شمسيّة أخرى، ربّما تكون بعيدة جدا عن مجموعتنا . (**) حيّات مرعبة : إشارة إلى شخصيّة ” ميدوزا ” في الأسطورة ، التي كانت الأجمل بين أختيها ” سثينو ” و”يوريال ” ، لكنّ ” أثينا ” حوّلت شعرها إلى أفاع ، لأنّها تجرّأت على الادعاء أنها تعادل الربة جمالا وبهاء . وفي رواية أخرى ، يقول الشاعر الرومانيّ ” أوفيد ” في كتابه ” التحوّلات ” ، كانت ” ميدوزا ” في الأصل عذراء جميلة ، ولكن عندما جامعها ” بوسيدون ” في معبد ” منيرفا ” ، عاقبتها ” أثينا ” بتحويل شعرها الفاتن إلى ثعابين مرعبة . (***) بعض العظاءات عندما تشعر بالتهديد البالغ ، تعمد إلى بصق الدم من عيونها بطريقة مرعبة وغريبة للغاية في اتجاه خصومها ، إذ تقدر على إطلاق كميّة كبيرة منه تصل إلى خمسة أمتار . فهي تقوم بحبس مجرى الدم في رأسها، مما يتسبّب في زيادة ضغط الدم داخل الرأس ، وتمزّق أوعية صغيرة جدا ، وهو ما يجعل الدم يخرج باندفاع شديد مثل الرشاش من العينين.#كتاب القصة القصيرة#مجلة ايليت فوتو ارت..


