محمد فاروق عن رواية إفلات الأصابع للكاتب محمد خير:
“أعترف من أجمل الأعمال التي قرأتها لمحمد خير ومن أجمل أيضا ما قرأت عموما في العقد المنصرم ومن أفضل الأعمال التي تعبر بعذوبة ورهافة عن كآبة ووطأة العقد المنصرم
______..
كان ثقل الضابط فوق رقبتي يخف بالتدريج رغم أنه لم ينزل، وجاءني لحظتها إدراك حقيقي كأنه الوحي، هذا الثقل فوق رقبتي ليس وزن الضابط تشده الجاذبية وتطحنني بينهما، هذا وزن كرامتي غير المستهلكة تماما بعد، علي أن أتركها تطير الآن مع الذبابة التي أخذت في الابتعاد، تركت أنفي ينغرس في التراب ورقبتي تفقد تصلبها وتستحيل إسفنجة مرنة، صاحبت الحشرة بالغة الصغر التي لا تزال تزحف تحت عيني، أنا وأنت في التراب معا لكنك لا تحملين كرامة ولا أوهاما ولا غضبًا، تحين وتموتين بلا فلسفة كما ينبغي لنا جميعا أن نحيا ونموت، اسحبي كرامتي من أنفي أيتها الصديقة الصغيرة وخذيها بعيدا، دعيني أنزفها كي أخف مثلك.
ومستني راحة غريبة وشعرت أنني الأرض نفسها وأنني ذرات التراب التي توزع فوقها ثقل الضابط فلا تتفتت ولا تشعر شيئا ، ثم ألهمتني الرائحة الكريهة في المكان شيئا آخر : المرحاض ليس شرفة.
حل
هذا ، تحت هذا الإلهام الذي جاءني تحت حذاء الضابط، قررت إن عشت ، إن خرجت من هناك ، أن أغادر المرحاض ، أن أتركه إلى بلاد أخرى أوطان أخرى، وأن أكتشف تنوعها ، فهذا وطن كصالة، دافيء ويرحب بالضيوف، وذلك وطن نافذة، يصلح للإطلال على الآخرين، وذاك وطن حديقة، جنة في النهار وظلمة في الليل، وهذا وطن دهليز لا يصلح إلا للمرور بين وطنين، المهم ألا تعود إلا المرحاض إلا
أكملت بدلا منه : كي تشخ؟
ابتسم بحر لنقل ” إذا اضطررت”
سألته وما اضطرارك في عودتك هذه ؟
نظر إليّ في لحظة دون رد، وقبل أن يجيب أظلّنا خيال ضخم، ومد شاب له شعر أشيب يده إليه: سيد بحر؟”
#القراءة_أسلوب_حياة #الكتب_خان_للنشر #مكتبة_الكتب_خان#مجلة ايليت فوتو ارت.


